اللهم إني أسألك ان

 سبحانك وبحمدك وأستغفرك أنت الله الشافي الكافي الرحمن الرحيم الغفار الغفور القادر القدير المقتدر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور... الواحد الأحد الواجد الماجد الملك المغيث لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ..لك الملك ولك الحمد وأنت علي كل شيئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بك وأستغفرك اللهم بحق أن لك هذه الأسماء وكل الأسماء الحسني وحق إسمك الأعظم الذي تعلمه ولا أعلمه أسألك أن تَشفني شفاءا لا يُغادر سقما وأن تَكفني كل همي وتفرج كل كربي وتكشف البأساء والضراء عني وأن تتولي أمري وتغفر لي ذنبي وأن تشرح لي صدري وأن تُيسر لي أمري وأن تحلل عُقْدَةً  من لساني يفقهوا قولي وأن تغنني بفضلك عمن سواك اللهم أصلحني: حالي وبالي وأعتقني في الدارين وخُذ بيدي يا ربي وأخرجني من الظلمات الي النور بفضلك  وأن ترحم وتغفر لوالديَّ ومن مات من اخوتي وان تغفر لهم أجمعين وكل من مات علي الايمان والتوبة اللهم آمين  //اللهم تقبل واستجب//https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

لمن تكون الشفاعة

لمن تكون الشفاعة

 https://thelowofalhak.blogspot.com/2018/11/pdf.html

الأربعاء، 30 مارس 2022

من موسوعة نضرة النعيم {كتاب : 9 الحياة الإيمانية في ضوء علاقة الابتلاء}

 

الكتاب : 9 الحياة الإيمانية في ضوء علاقة الابتلاء

الفصل الثاني مجالات الابتلاء .. أنواعه .. مظاهره

 
ينقسم الابتلاء عدة انقسامات باعتبارات مختلفة، فإذا نظرنا إلى الابتلاء من حيث المادة التي يحصل بها من نحو الأموال والأنفس والثمرات وجدنا له مجالات عديدة، وإذا نظرنا إليه من حيث الأشخاص أو الجماعات أو الأمم وجدنا له أنواعا مختلفة، فإذا تجاوزنا ذلك إلى الشكل الذي يتشكل فيه من نحو السراء أو الضراء، من حيث الطاعة أو المعصية وجدنا له مظاهر متباينة، وسوف نتناول هذه الأقسام المتنوعة فيما يلي:-
أولاً: مجالات الابتلاء:
سبق أن ذكرنا أن الدنيا هي دار ابتلاء، إذ هي بمثابة القاعة (أو الساحة) التي يجري فيها الاختبار، وهي أيضا الزمن المقرر لهذا الاختبار، أما مجالات هذا الاختبار، ومواد ذلك الامتحان، فتتلخص فيما على هذه الأرض من ثروات ومنتجات وزينة وما يجري فوقها من عمران، يقول الله تعالى: {إِنَّا جَعْلَنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}(1).
وإضافة إلى ذلك فإن الابتلاء يكون أيضا في مجال الأنفس من نحو الصحة والسقم، والقوة والضعف، والسعادة والشقاوة، كما يكون في الأموال من نحو الفقر والغنى، والعوز والرفاهية، وقد أشار المولى -عز وجل- إلى المجالين جميعا فقال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}(2)، وقال عزَّ من قائل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}(3).
__________
(1) الكهف/7.
(2) آل عمران/186.
(3) البقرة/155.

(1/1)


ويلحق بالأموال ويتبعها كل ما يشابهها من الجاه والسلطان والممتلكات العقارية ونحو ذلك، أما الأنفس فيلحق بها ما يصيب الإنسان في أبنائه أو أقاربه أو أحبائه من نحو الصحة والمرض، والحياة والموت، والنجاح والفشل وما أشبه ذلك.
ثانيًا: أنواع الابتلاء:
للابتلاء - بالنسبة لمن يقع عليه- أنواع عديدة أهمها:
1‍الابتلاء التكليفي، ونعني به:
الابتلاء على مستوى الإنسان بوجه عام، ويمكن أن نطلق عليه ابتلاء التكليف وحمل الأمانة، {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً}(1)، وقد أشارت إلى هذا الابتلاء التكليفي أيضًا الآيتان الكريمتان {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}(2). وقوله سبحانه: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}(3). أي أن الابتلاء والاختبار هو في (المقدرة على حُسن العمل) وقد جاء في تفسير القرطبي أن معنى [أحسن عملاً] أورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله، ولهذا لا يكون العمل مقبولاً إلا مع الإخلاص وموافقة السُّنَّة، وقيل: معنى {لِيَبْلُوَكُمْ} أي ليعاملكم معاملة المختبر، أي ليبلو العبد بموت من يعز عليه ليبين صبره، وبالحياة ليبين شكره، وقيل: خلق الله الموت للبعث والجزاء، وخلق الحياة للابتلاء، وعلى ذلك فالابتلاء يتعلق بخلق الحياة لا بخلق الموت(4).
2‍الابتلاء الشخصي:
__________
(1) الأحزاب/72.
(2) هود/7.
(3) الملك/2.
(4) تفسير القرطبي(بتصرف يسير)18/207.

(1/2)


ويراد به: ما يصيب الإنسان في نفسه أو فيمن حوله من أفراد أسرته من السَّرَّاء والضَّرَّاء، وإلى هذا النوع من الابتلاء أشارت الآية الكريمة {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}(1)، وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءْ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}(2)، وقال سبحانه: {وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}(3).
3‍الابتلاء الاجتماعي (ابتلاء الناس بعضهم ببعض):
المقصود بهذا النوع من الابتلاء: أن يبتلي الله الناس بعضهم ببعض، وذلك إما برفع بعضهم فوق بعض درجات مصداقًا لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا أَتَاكُمْ}(4)، وإما بالتفاوت فيما بينهم في حظوظ الحياة الدنيا من الرفعة والضعة، أو الغنى والفقر {وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}(5)، وقال عزَّ من قائل: {وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ}(6).
__________
(1) الإنسان/2-3.
(2) البقرة/155.
(3) آل عمران/154.
(4) الأنعام/165.
(5) الشورى/27.
(6) النحل/71.

(1/3)


إن الابتلاء هنا يشمل الصنفين جميعًا أي المُفَضَّلُون (الأغنياء)، والمُفَضَّلُ عليهم (الفقراء) ذلك أن الغنى ـ ما لم يعتصم بالإيمان ـ يريد زيادة غناه على حساب الفقير بلجوئه إلى الكنز، واستسلامه لغريزة الأنانية، وحُب التكاثر والطمع، وينقاد للظلم والفساد أحيانًا، وينسى حق الله في ماله فلا يعطف على فقير أو مسكين، ويقسو قلبه ولا يتصف بالرحمة أو الإنصاف في حالات أخرى، أما الفقير ـ ما لم يتمسك بأهداب التقوى ويصبر على البلوى ـ فإنه قد يحتال لفقره بالكذب والنفاق ويلجأ إلى زخرف القول ويسعى في الأرض فسادًا ليهلك الحرث والنسل، وقد سجَّل القرآن الكريم الحالتين جميعًا.

(1/4)


يقول سبحانه عن الحالة الأولى (في قصة داود عليه السلام): {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَئَابٍ}(1). وهنا أيضًا يظهر نوع من الابتلاء بالنسبة للحكام الذين يُختبَرون بتنفيذ شرع الله تعالى والدعوة إلى دينه وإقامة حدوده والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول الله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}(2). ويقول سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا أَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}(3)، وقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا أَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}(4).
__________
(1) ص~/23-25.
(2) المائدة/42.
(3) المائدة/48.
(4) الأنعام/165.

(1/5)


أما الحالة الثانية فيصورها القرآن أروع تصوير عندما حذَّرنا من المنافقين الذين يظهرون المودة بالكلام المعسول والحديث المنمق إذا كانوا معك، فإذا تولوا عنك سعوا في الأرض فسادًا وتخريبًا، يقول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ}(1).
وقد أوضح القرآن الكريم أن الله عزَّ وجلَّ قادر على أن ينصر أولياءه على أعدائه من دون مجاهدة ولكن لم يفعل حتى يتحقق هذا الاختبار وذلك الابتلاء، فيظهر به عدوان الظالمين وطغيانهم، وصبر الصابرين وتحملهم لمشاق مجاهدتهم، قال تعالى: {وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ}(2)، ولم يفلت من هذا الابتلاء حتى أنبياء الله ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ وقد سجَّلت هذا الآية الكريمة {وَكَذَلِكَ جَعْلَنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}(3). وقد أجملت كل هذه الأنواع من الابتلاء وذلك الافتتان وكشفت عن حكمته المتمثلة في الصبر على كل أنواع الأذى التي تلحق بعض الناس، الآية الكريمة: {وَجَعْلَنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}(4).
4‍الابتلاء الجماعي أو الأممي:
__________
(1) البقرة/204-205.
(2) محمد/4.
(3) الأنعام/112.
(4) الفرقان/20.

(1/6)


ويتمثل ذلك فيما يصيب الأمة أو الجماعة بأسرها من رغد العيش أو ضيقه، من اعتدال المناخ أو قسوته، ويشمل أيضا ما يصيب الأمم من نحو الزلازل والبراكين والفيضانات والأعاصير وما أشبه ذلك من الابتلاءات التي لا يقتصر أثرها على فرد دون آخر أو جماعة دون سواها، وقد أشار المولى عز وجل إلى سبب هذا النوع من الابتلاء بقوله: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ * كَدَأْبِ أَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(1)، وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}(2).
__________
(1) الأنفال/51-53.
(2) هود/117.

(1/7)


ومن أسباب ظهور هذا الابتلاء الذي قد يتمثل في فساد المياه والهواء والزروع والثمار والمساكن، ما يقترفه الناس من المعاصي وما يرتكبونه من الآثام، يقول الله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(1). جاء في تفسير هذه الآية الكريمة أن المعنى: ظهرت المعاصي في البر والبحر فحبس الله عن الناس الغيث وأغلى سعرهم ليذيقهم عقاب بعض الذي عملوا(2)، وقيل: المعنى أن الله يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات اختبارًا منه لهم ومجازاة على صنيعهم لعلهم يرجعون عن المعاصي(3). وقد حذرنا المصطفى J من موجبات هذا النوع من الابتلاء فيما يرويه عنه عبدالله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ حيث قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله J، فأقبل علينا رسول الله J بوجهه فقال: [يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتُلُوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء فلولا البهائم لم يمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم، فأخذوا ما في أيديهم، وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله عز وجل في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم](4).
ثالثًا: مظاهر الابتلاء:
1‍الابتلاء بالضراء أو الشر:
__________
(1) الروم/41.
(2) تفسير القرطبي (14/41).
(3) تفسير ابن كثير(3/445).
(4) ابن ماجة (4019)، وقال في الزوائد: هذا حديث صالح للعمل به، ورواه أيضًا الحاكم في المستدرك (4/540)، وقال صحيح، ووافقه الذهبي، وذكره الألباني في صحيح الجامع (2/1321)، وانظر صفات: الفحش ـ الزنا ـ التطفيف.

(1/8)


وهو الذي يُراد بالابتلاء أو الفتنة عند الإطلاق، وقد تخفى حكمة هذا النوع على الكثيرين، إذ قد يُراد به اختبار الصدق في الإيمان، والصبر على الجهاد في سبيل الله(1)، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ} (2)، وقال سبحانه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا أَمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ}(3)، وقد يُراد به التمهيد والتدريب على التمكين في الأرض، نظرًا لما يعقب هذا الابتلاء من الصبر في الشدائد(4) وتحمُّل المشاق، واليقين بأن لله تعالى حكمة في كل ما يصيب الإنسان من خير أو شر، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}(5)، وقد أخبر المصطفى J أن جزاء الصابرين على الابتلاء بالضراء هو الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: [يقول المولى عز وجل: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة] يريد عينيه، وقال عليه الصلاة والسلام: [من ابتلى بشيء من البنات فصبر عليهن كُنَّ له حجابًا من النار](6). وإلى هذا المظهر من مظاهر الابتلاء أشارت الآية الكريمة: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِىرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}(7).
2‍الابتلاء بالمعاصي أو السيئات:
__________
(1) انظر صفات: الشكر، الحمد.
(2) محمد/31.
(3) العنكبوت/2-3.
(4) انظر صفات: الصبر، الرضا.
(5) السجدة/24.
(6) انظر في تخريج هذين الحديثين، الحديث 15، 31 في صفة الصبر.
(7) آل عمران /186.

(1/9)


وهذا المظهر لا يقل عن سابقيه من حيث خطره وتأثيره في حياة الأمم أو الأفراد، وقد كان آدم أبو البشر هو أول من تعرض لهذا النوع من الابتلاء عندما أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها. وقد سجل القرآن الكريم هذه الواقعة في قوله سبحانه: {وَقُلْنَا يَا أَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}(1). وقد أشار ابن قيم الجوزية إلى ثمرة هذا الابتلاء عندما قال: لو لم تكن التوبة أحبَّ إلى الله لما ابتلى بالذنب أكرم المخلوقات عليه(آدم عليه السلام) فالتوبة هي غاية كل كمال آدمي وقد كان كمال أبينا آدم عليه السلام بها(2).
3‍الابتلاء بالسراء أو الخير:
__________
(1) البقرة/35-36.
(2) مفتاح دار السعادة 1/682، و انظر صفة التوبة في هذه الموسوعة، وقارن بـ [حكمة الابتلاء بالمعاصي]

(1/10)


يُبتلى الإنسان على المستوى الشخصي بالنعماء أو الخير فتنة وتمحيصًا، وذلك بأن يعطيه الله المال والجاه أو العافية والمنصب والأولاد ونحو ذلك، وهذا المظهر من أهم مظاهر الابتلاء نظرًا لما يعقبه من شكر للنعمة أو كفر بها، قال تعالى فيما يحكيه القرآن عن سيدنا سليمان {قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}(1)، وشكر النعمة يعقبه زيادتها، أما كفرانها فإنه يورث الطغيان والكبر والعجب والخيلاء ونحو ذلك من أمراض القلوب، وقد حذَّرنا المولى سبحانه من عاقبة النعماء، خاصة إذا تعلَّق الأمر بالأموال والأولاد أو الأزواج، فقال عزَّ من قائل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}(2)، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}(3). وقد أجملت الإشارة إلى النوعين جميعًا (الابتلاء بالشر والابتلاء بالخير) الآية الكريمة: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(4).
4‍الابتلاء بالطاعات:
__________
(1) النمل/40.
(2) الأنفال/28.
(3) التغابن/14-15.
(4) الأنبياء/35.

(1/11)


كما يبتلى الإنسان بالمعصية لتتاح له فرصة التوبة والاستغفار ونحو ذلك، فإنه يبتلى أيضا بالطاعات ليشكر ربه على ما هداه إليه، وإلى هذا أشارت الآيات الكريمة {وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّءْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ}(1).
وقد أشارت إلى هذين النوعين من الابتلاء (الابتلاء بالمعصية أو السيئات، والابتلاء بالطاعة أو الحسنات) الآية الكريمة: {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}(2). وقد ضرب القرآن الكريم في قصة ابني آدم (قابيل وهابيل) أروع مثلين للابتلاء بالطاعة والمعصية، حيث كان أحدهما يمثل أقصى حالات الطاعة والتقوى، والآخر يمثل أقصى حالات المعصية المتمثلة في القتل، تأمل قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ أَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوأَ بِإِثْمِي وَإِثْمَكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابَ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}(3).
ابتلاء التكليف وابتلاء الفتنة:
__________
(1) الصافات/104-106.
(2) الأعراف/168.
(3) المائدة/27-30.

(1/12)


وبالتمعن في هذه المظاهر الأربعة للابتلاء فإنه يمكن إرجاعها إلى مظهرين اثنين: الأول: ابتلاء التكليف ويشمل الابتلاء بالحسنات أو السيئات، بالطاعات أو المعاصي، يقول الله تعالى فيما يتعلق بهذا النوع الأول: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}(1)، والآخر: ابتلاء الفتنة، ويشمل الابتلاء بالسراء أو الضراء، يقول الله تعالى في هذا النوع: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(2).
الفصل الثالث
حكمة الابتلاء
نتحدث في هذا الفصل والذي يليه عن أمرين يرتبطان ببعضهما ارتباطًا وثيقًا:
الأمر الأول: يتعلق بمحاولة البحث عن حكمة الله عز وجل في الابتلاءات المختلفة وذلك على قدر ما تشير إليه الآيات الكريمة، أو ترشد إليه الأحاديث الشريفة، أو توحي به قصص الابتلاء العديدة التي تضمنتها آي الذكر الحكيم أو أحاديث المصطفى
J.
أما الأمر الثاني: فهو محاولة جادة للإفادة من الابتلاء فيما يتعلق بالعملية التربوية وذلك على قدر ما تسعف به أصول علم التربية، كما أقرها المختصون في هذا النوع المهم من فروع الدراسة، وقد أطلقنا على هذا النوع الثاني: القيمة التربوية للابتلاء، وإذا كانت حكمة الابتلاء تتعلق بالجانب النظري فإن القيمة التربوية ذات جانب عملي وتطبيقي، من حكم الابتلاء نستلهم عبر الماضي، ومن القيمة التربوية نعد العدة لبناء جيل صلب قوي ثابت على صراط الله المستقيم في المستقبل.
حكمة الله ـ عز وجل ـ في الابتلاء:
__________
(1) الإنسان/2-3.
(2) الأنبياء/35.

(1/13)


من أسماء الله ـ عز وجل ـ [الحكيم] ولهذا الاسم كما لغيره من الأسماء الحسنى آثار في الخلق تترتب عليه، ومن مقتضى ذلك أن تكون أفعاله ـ سبحانه وتعالى ـ، وما يجري به قضاؤه وقدره لا يخلو من الحكمة، عَلِمهَا من علمها وَجَهِلَهَا من جهلها، وسنحاول هنا أن نتأمل بعض ـ وليس كل ـ أسرار الابتلاء بأنواعه المختلفة.
أولاً: حكمة الابتلاء بالضراء أو الشر:
للابتلاء بالضراء أو الشر حكم عديدة نشير إلى أهمها فيما يلي:
أ ـ تقوية الإيمان بالقضاء والقدر:
يقول الشيخ محمد بن عثيمين: على الإنسان أن يؤمن بقضاء الله وقدره، قال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ}(1)، {مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابً مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ}(2).
وعلى المسلمين أن يؤمنوا بمشيئة الله في عموم ملكه فإنه ما من شيء في السماوات أو في الأرض إلا وهو ملك لله عز وجل: {للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(3)، وما من شيء في ملكه إلا وهو بمشيئته وإرادته فبيده الملك، وبيده مقاليد السماوات والأرض، ما من شيء يحدث من رخاء وشدة، وخوف وأمن، وصحة ومرض، وقلة وكثرة، إلا بمشيئته سبحانه وتعالى. هو سبحانه خالق الإنسان ومدبره، فللإنسان عزيمة وإرادة، وله قدرة وعمل، والذي أودع فيه تلك العزيمة وخلق فيه القدرة هو الله عز وجل ولو شاء لسلبه الفكر فضاعت إرادته، ولو شاء لسلبه القدرة فما استطاع العمل.
__________
(1) الحج/70.
(2) الحديد/22.
(3) المائدة/120.

(1/14)


إن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة لا يتم الإيمان إلا به، لكنه ليس حجة للإنسان على فعل معاصي الله أو التهاون بما أوجب الله، وجه ذلك أن الله أعطاك عقلاً تتمكن به من الإرادة، وأعطاك قدرة تتمكن بها من العمل فلذلك إذا سُلِبَ عقلُ الإنسان لم يعاقب على معصية، ولا ترك واجب، وإذا سُلِبَ قدرتَه على الواجب لم يؤاخذ بتركه. إن الاحتجاج بالقدر على المعاصي أو ترك الواجبات حجة داحضة باطلة أبطلها الله في كتابه ويبطلها العقل والواقع(1). أبطلها الله في كتابه فقال تعالى: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}(2).
ب ـ الابتلاء جسر يوصل إلى أكمل الغايات:
يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: إذا تأملت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته وجدت أنه ساقهم به إلى أجلِّ الغايات وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم والكرامة، فصورته صورة ابتلاء وامتحان وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله من نعمة جسيمة ومنة عظيمة تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان، فتأمل حال أبينا آدم عليه السلام وما آلت إليه محنته من الاصطفاء والاجتباء والتوبة والهداية ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنة التي جرت عليه وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك لما وصل إلى ما وصل إليه(3).
جـ ـ الابتلاء وسيلة للتمكين في الأرض:
__________
(1) الضياء اللامع للشيخ محمد بنصالح عثيمين ص 349.
(2) النساء/165.
(3) مغتاح دار السعادة 1/299.

(1/15)


قيل للشافعي - رحمه الله- يا أبا عبدالله، أيهما أفضل للرجل أن يمكَّن أو يبتلى؟ (أي بالضراء)، فقال الشافعي: لا يمكّن حتى يبتلى، فإن الله تعالى ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ فلما صبروا (على الابتلاء) مكَّنهم(1).
د ـ تمحيص المؤمن وتخليصه من الشوائب المنافية للإيمان:
إن المصائب التي تصيب الناس في أنفسهم أو في أرزاقهم، أو غير ذلك مما يتصل بهم مما يسرهم الكمال فيه ويؤلمهم النقص منه، تكمن حكمتها في التمحيص الناتج عن هذا الابتلاء والامتحان، يقول الله تبارك وتعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ أَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ أَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}(2).
فالبلايا والمحن محك يكشف عما في القلوب وتظهر به مكنونات الصدور، ينتفي بها الزيف والرياء، وتنكشف الحقيقة بكل جلاء .. تطهير لا يبقى معه زيف ولا دخل، وتصحيح لا يبقى فيه غبش ولا خلل، إن الشدائد والنوازل تستجيش مكنون القوى وكوامن الطاقات. وتتفتح بها في القلوب منافذ ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا حين تعرض للابتلاء، وعند الحوادث يتميز الغبش من الصفاء والهلع من الصبر، والثقة من القنوط(3).
__________
(1) الفوائد لابن القيم ص 283.
(2) آل عمران/140-142.
(3) توجيهات وذكرى، للشيخ الدكتور صالح بنحميد، ص 240-241(بتصرف).

(1/16)


فالابتلاء قد يقتضي في بعض أشكاله أن يكون بالمصيبة وبما تكره النفوس(1)، وتحمُّل المؤمن مصائب الامتحان الإلهي بصبر وصدق مع الله ورضًا بقضائه وقدره؛ هو من أفضل أعماله الصالحة، التي يكتب الله له بها أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلاً. قال الله تعالى:{ مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(2)، إن هذه الضراء ليست هي خاتمة المطاف، وسرعان ما تنقشع وتزول، يقول الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}(3). فهذه مصائب امتحان، وهي في سبيل الله، وتحملها والصبر عليها من صالحات الأعمال(4).
هـ – الردع والتحذير من الغرور:
__________
(1) انصر صفتي : الصبر والمصابرة ، ومجاهدة النفس.
(2) التوبة /120-121.
(3) الشرح/5-6.
(4) الأخلاق الإسلامية للميداني 2/480-481.

(1/17)


إِنَّ العقوبة العاجلة على ما اقترفه الإنسان أو الجماعة أو الأمة من معاص تقتضي حكمة المولى ـ عز وجل ـ أن تعجل عقوبتها حيث إن فيها ردعًا وتحذيرًا وعبرةً، لهم ولغيرهم من الأفراد والجماعات، وقد أشارت إلى ذلك الآية الكريمة: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}(1). وقوله عز من قائل:{وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}(2)، وقال سبحانه: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ}(3).
و- الرحمة بالعصاة والتخفيف عنهم يوم القيامة:
من حكمة الابتلاء بالعقوبة أن يعجل الله للمذنب عقوبته فتأتيه في الدنيا تخفيفا عنه يوم القيامة، يقول الله ـ عز وجل ـ: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ}(4).
__________
(1) الأعراف/163.
(2) الأعراف/165.
(3) الأنعام/11.
(4) الشورى/30.

(1/18)


قال علي ـ رضي الله عنه ـ: هذه أرجى آية في كتاب الله عز وجل، وإذا كان يكفِّر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه!! وقد روي عنه مرفوعا قوله -رضي الله عنه-:[ أَلاَ أُخبِركُم بِأَفْضلِ آية في كتاب الله حدثنا بها النبي J: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ}، يا علي، ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يُثَنِّي عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه(1). وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله J: [إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة](2).
وقال ابن عون: إن محمد بن سيرين لما ركبه الدَّين اغتم لذلك، فقال: إني لأعرف هذا الغم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة. وقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدًا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها، أو لينال درجة لم يكن يوصله إليها إلا بها(3).
ز- إقامة حجة العدل على العباد:
يقول ابن القيم -رحمه الله-: [ومنها (أي من الحكم في الابتلاء بالضراء) إقامة حجة عدله عز وجل على عبده ليعلم هذا العبد أن لله عليه الحجة البالغة، فإذا أصابه من المكروه شيء فلا يقول: من أين هذا؟ ولا من أين أتيت؟ ولا بأي ذنب أصبت؟ وما نزل بلاء قط إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة(4).
ثانيًا: حكمة الابتلاء بالذنوب أو المعاصي:
__________
(1) تفسير القرطبي 16/31، وقد روى نحوه الترمذي عن بلال بن أبي بردة قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. انظر سنن الترمذي، حديث 3252.
(2) رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، انظر سنن الترمذي ، حديث رقم(2507).
(3) تفسير القرطبي 16/31.
(4) مفتاح دار السعادة1/287.

(1/19)


قد يتساءل كثيرون عن حكمة وقوع المعاصي وما يترتب عليها من الابتلاءات، وربما خطر في بالهم السؤال الآتي: ألم يكن المولى ـ عز وجل ـ بقادر على أن يمنع هذه المعاصي فلا تقع أصلا؟ وعن هذا التساؤل أجاب ابن القيم باستفاضة، وفصّل أنواع الحكمة الإلهية التي اقتضت وقوع الذنوب أو المعاصي.
ويمكن تقسيم هذه الحكم العظيمة والمنح الجليلة في ثلاثة أمور:
1‍إصلاح علاقة العبد بربه عز وجل.
2‍إصلاح علاقة العبد بنفسه.
3‍إصلاح علاقة العبد بالآخرين.
الأول: إصلاح علاقة العبد بربه عز وجل: يتجلى ذلك بوضوح فيما يلي:-
أ ـ…التوبة وصولاً إلى الكمال البشري:
قال بعض العارفين: لو لم تكن التوبة أحب إلى الله لما ابتلى بالذنب أكرم المخلوقات عليه (الإنسان) فالتوبة هي غاية كل كمال آدمي، ولقد كان كمال أبينا آدم عليه السلام بها، فكم بين حاله وقد قيل له: { إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى}(1). وبين حاله وقد أخبر عنه المولى بقوله:{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}(2).
فالحال الأولى حال أكل وشرب وتمتع، والحال الثانية حال اجتباء واصطفاء وهداية، ويا بعد ما بينهما، ولما كان كماله (آدم) بالتوبة كان كمال بنيه بها أيضا، ذلك أن كمال الآدمي في هذه الدار إنما يكون بالتوبة النصوح، وفي الآخرة بالنجاة من النار، وهذا الكمال الأخير مرتب على الكمال الأول، قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: التوبة هي حقيقة دين الإسلام، والدين كله داخلٌ في مسمى التوبة، وبهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله. فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين(3). وإنما يحب الله من فعل ما أمر به. وترك ما نهي عنه. فإذا التوبة هي الرجوع عما يكرهه الله ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه ظاهرا وباطنا.
ب -…الحمد والشكر والرضا:
__________
(1) طه/118.
(2) طه/122.
(3) انظر صفة التوبة.

(1/20)


ومن الحكمة أيضا ما توجبه التوبة من آثار عجيبة من المقامات التي لا تحصل بدونها فيوجب له ذلك من المحبة والرقة واللطف وشكر الله تعالى وحمده والرضا عنه عبوديات أخرى، ويكفيه أن الله ـ عز وجل ـ يفرح بتوبته أعظم فرح، وينعكس ذلك على الإنسان فيحس بفرح الظفر بالطاعة والتوبة النصوح، ويجد لذلك انشراحا دائمًا ونعيمًا مقيمًا. (انظر صفات: الحمد، الشكر، الثناء، الرضا، المحبة).
جـ -…الاستغفار:
إذا وقع الإنسان في الذنب شهد نفسه مثل إخوانه الخطائين وأن الجميع مشتركون في الحاجة إلى مغفرة الله -عز وجل- وعفوه ورحمته، وكما يحب المرء أن يستغفر له أخوه المسلم ينبغي له أيضا أن يستغفر لأخيه، فيصير هجيراه وديدنه [رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات وللمؤمنين والمؤمنات]. (انظر صفات: الاستغفار، التوبة، الإنابة).
د -…الإحسان والبر والإفضال:
ومن حكم الابتلاء بالمعصية أن الله يحب أن يتفضل على عباده ويتم نعمته عليهم، ويريهم مواقع بره وكرمه وإحسانه، ومن أعظم أنواع الإحسان والبر، أن يُحْسِن إلى من أساء، ويعفُوَ عمن ظلم، ويغفر لمن أذنب ... وقد ندب المولى عباده إلى هذه الشيم الفاضلة والأفعال الحميدة، وهو أولى بها منهم وأحق، وله في تقدير أسبابها من الحكم ما يبهر العقل فسبحانه وبحمده. (انظر صفات: الإحسان، البر، بر الوالدين، الفضل).
هـ -…تحقيق معنى الأسماء الحسنى:

(1/21)


ومن الحكم في الابتلاء بالذنب؛ أنه سبحانه له الأسماء الحسنى، ولكل من أسمائه أثر من الآثار في الخلق والأمر، لا بد من ترتبه عليه، كترتب المرزوق والرزق على الرازق، وترتب المرحوم وأسباب الرحمة على الراحم، ولو لم يكن من عباده من يخطىء ويذنب ليتوب عليه ويغفر له ويعفو عنه، لم يظهر أثر أسمائه الغفور والعفو والحليم والتواب، وما جرى مجراها..فأسماؤه الغفار والتواب تقتضي مغفورًا له وكذلك من يتوب عليه، وأمورًا يتوب عليه من أجلها (انظر صفات: الرحمة والعفو والاستغفار وخاصة فيما يتعلق من ذلك باتصافه عز وجل بهذه الصفات).
و -…تعريف العبد بعزة الله في قضائه وقدره:
ومن الحكمة أيضا أنه سبحانه يعرف عباده عزه في قضائه وقدره ونفوذ مشيئته وجريان حكمته، وأنه لا محيص للعبد عما قضاه عليه ولا مفر له منه بل هو في قبضة مالكه وسيده. (انظر صفة الإيمان وخاصة ما يتعلق بالقدر وصفة التوكل واليقين).
ز -…بيان حاجة العبد إلى حفظ الله ومعونته:
ومن حكم الابتلاء بالمعاصي تعريف العبد حاجته إلى حفظ الله له ومعونته وصيانته، وإلا فهو هالك، وإن وكله الله إلى نفسه وكله إلى ضيعة وعجز وذنب وخطيئة وتفريط، وقد أجمع العلماء على أن التوفيق، ألاَّ يكل الله العبد إلى نفسه، وأن الخذلان كل الخذلان أن يخلي بينه وبين نفسه، وفي دعاء الرسول
J [اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين] وتمام هذا الحديث: عن أبي بكرة قال: قال رسول الله J: [دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت](1) (انظر صفة التوكل).
ح -…الاستعانة والاستعاذة والدعاء:
يستجلب الله من العبد عندما يبتليه بالذنب ما هو من أعظم أسباب السعادة له من الاستعاذة والاستعانة والدعاء والتضرع والابتهال والإنابة والمحبة والرجاء والخوف. (انظر هذه الصفات في مظانها من الموسوعة).
__________
(1) أبو داود(5090)، وقال الألباني: حسنز انظر صحيح الكلم الطيب ص 49.

(1/22)


ط -…تمام العبودية:
يستخرج الله بهذا النوع من الابتلاء من العبد تمام العبودية، بتكميل مقام الذل والانقياد، وأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلًّا لله وانقيادًا وطاعةً، والمراد بالذل هنا، ذل المحبة الذي يستخرج من قلب المحب أنواعًا من التقرب والتودد والإيثار والرضا والحمد والشكر والصبر والندم، وتحمل العظائم لا يستخرجها الخوف وحده، ولا الرجاء وحده، وهناك ذل آخر هو ذل المعصية، وبيان ذلك أن العبد متى شهد صلاحه واستقامته شمخ بأنفه وتعاظمت نفسه وظن أنه وأنه، فإذا ابتلى بالذنب تصاغرت إليه نفسه وذل لله وخضع.
ي -…سعة حلم الله وكرمه وعفوه:
ومن الحكمة أيضا في ذلك تعريفه سبحانه عبده سعة حاله وكرمه في الستر عليه، وأنه لو شاء لعاجله بالذنب ولهتكه بين عباده فلم يطب له معهم عيش أبدًا، ولولا حلمه وكرمه ما استقام أمرٌ، ولفسدت السماوات والأرض، ولا سبيل لعبد في النجاة إلا بعفوه ومغفرته وقبول توبته، فالله ـ عز وجل ـ هو الذي وفق العبد للتوبة وألهمه إياها، ومن هنا تكون توبة العبد محفوفة بتوبة قبلها عليه من الله إذناً و توفيقًا، وتوبةٍ ثانيةٍ منه عليه قبولاً ورضًا.. (انظر صفات: الحلم، الكرم، العفو).
ك -…الإنابة والمحبة والفرار إلى الله ـ عز وجل:

(1/23)


رب ذنب قد أهاج لصاحبه من الخوف والإشفاق، والوجل والإنابة، والمحبة والإيثار، والفرار إلى الله، ما لا يهيجه له كثير من الطاعات، وكم من ذنب كان سببًا لاستقامة العبد وفراره إلى الله وبُعده عن رق الغي، وهو بمنزلة من خَلَّطَ فأحس بسوء مزاجه، وعنده أخلاط مزمنة قاتلة وهو لا يشعر بها، فشرب دواء أزال تلك الأخلاط العفنة التي لو دامت لترامت به إلى الفساد والعيب، إن من تَبْلُغُ رحمته ولطفه وبره بعبده هذا المبلغ، وما هو أعجب وألطف منه لحقيق بأن يكون الحب كله له والطاعات كلها له، وأن يذكر فلا ينسى، ويطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر. (انظر صفات: الإنابة، المحبة، الفرار إلى الله، الإيثار، الذكر، الشكر).
ل -…التواضع والخشية:
ومن ذلك أن العبد إذا شهد ذنوبه ومعاصيه وتفريطه في حق ربه رأى القليل من النعم كثيرا والكثير من عمله قليلاً، فيورثه ذلك تواضعا وخشية وإنابة وطمأنينة ورضا، وأين حال هذا من حال من لا يرى لله عليه نعمة إلا ويرى أنه كان يستحق أكثر منها.
الثاني: إصلاح علاقة العبد بنفسه: ويظهر هذا جليا في النقاط التالية:-
أ -…تعريف العبد حقيقة نفسه:
ومن حكمة الابتلاء بالذنب أن العبد يعرف حقيقة نفسه، وأنها الظالمة، وأن ما صدر عنها من الشر صدر من أهله، إذ الجهل والظلم منبع الشر كله، وأن كل ما فيها من خير وعلم وهدى وإنابة وتقوى من الله -عز وجل- هو الذي زكاها، وإذا لم يشأ تزكية العبد تركه مع دواعي ظلمه وجهله، لأن الله ـ عز وجل ـ هو الذي يزكي من يشاء من النفوس فتزكو وتأتي بأنواع الخير والبر، وقد كان من دعائه
J [اللهم آت نفسي تقواها وزكِّها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها](1)، فإذا ابتلى الله العبد بالذنب عرف نفسه ونقصها فيجتهد من ثَم في كمالها.
ب -…خلع رداء الكبر والعظمة:
__________
(1) مسلم (2722)، وهذا جزء من حديث زيد بن أرقم، انظر الحديث رقم (3) في صفة الزكاة.

(1/24)


ومن الحكمة في الابتلاء بالمعاصي أن يخلع العبد صولة الطاعة من قلبه وينزع عنه رداء الكبر والعظمة الذي لبس له، ويلبس رداء الذل والانكسار، إذ لو دامت تلك الصولة والعزة في قلبه لخيف عليه ما هو من أعظم الآفات وأشدها فتكا، ألا وهو العجب. (انظر صفات: الكبر والعجب، العتو، الطغيان).
جـ -…زوال الحصر والضيق:
ومن الحكمة في ذلك، أنَّ العبد يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم، ويزول عنه ذلك الحصر والضيق، والانحراف، ويستريح العصاة من دعائه عليهم وقنوطه منهم وسؤال المولى –عز وجل- أن يخسف بهم الأرض ويرسل عليهم البلاء ولا ينظر إليهم بعين. (انظر صفات: الرحمة، القلق، الخوف، الرضا).
د -…تحقق صفة الإنسانية في العبد:
لقد اقتضت الحكمة الإلهية تركيب الشهوة والغضب في الإنسان، وهاتان القوتان هما بمنزلة صفاته الذاتية وبهما وقعت المحنة والابتلاء، وهاتان القوتان لا يدعان العبد حتى ينزلانه منازل الأبرار أو يضعانه تحت أقدام الأشرار، وهكذا فإن كل واحد من القوتين يقتضي أثره من وقوع الذنب والمخالفات والمعاصي، ولو لم يكن الأمر كذلك لم يكن الإنسان إنسانا بل كان ملكا، ومن هنا قال المصطفى
J:[كل بني آدم خطَّاء وخير الخطائين التوابون](1).
هـ -…الندم والبكاء:
__________
(1) انظر تخريج هذا الحديث في صفة التوبة ، حديث رقم 20، ج 4، ص 1287 من هذه الموسوعة.

(1/25)


إذا ابتلي الإنسان بالذنب جعله نصب عينيه، ونسي طاعته وجعل همه كله بذنبه، ويكون هذا عين الرحمة في حقه، قال بعض السلف في هذا المعنى:[إن العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الحسنة فيدخل بها النار] قالوا: وكيف ذلك؟ قال:[يعمل الخطيئة فلا تزال نصب عينه، كلما ذكرها بكى وندم وتاب واستغفر وتضرع وأناب إلى الله -عز وجل- وذل له وانكسر، وعمل لها أعمالاً فتكون سبب الرحمة في حقه، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه يمن بها ويراها ويعتد بها على ربه ـ عز وجل ـ وعلى الخلق، ويتكبر بها، ويتعجب من الناس كيف لا يعظمونه ويكرمونه ويجلو نه عليها، فلا تزال هذه الأمور به حتى تقوى عليه آثارها فتدخله النار، وعلامة السعادة أن تكون حسنات العبد خلف ظهره وسيئاته نصب عينيه، وعلامة الشقاوة أن يجعل حسناته نصب عينيه وسيئاته خلف ظهره]. (انظر صفات: التوبة، الاستغفار، البكاء).
الثالث: إصلاح علاقة العبد بالآخرين:ويبدو ذلك جليا في الآتي:-
أ -…تعلم العبد المسامحة وحسن المعاملة والرضا عن الغير:
ومنها أن العبد إذا ابتلي بالمحنة أو بالذنب فإنه يدعو الله أن يقيل عثرته ويغفر زلته فيعامل بني جنسه في إساءتهم إليه وزلاتهم معه بما يحب أن يعامله الله به، لأن الجزاء من جنس العمل فمن عفا عفا الله عنه، ومن سامح أخاه في إساءته إليه سامحه الله، ومن عفا وتجاوز تجاوز الله عنه، ويلحق بذلك أن العبد إذا عرف هذا فأحسن إلى من أساء إليه ولم يقابل إساءته بإساءة تعرض بذلك لمثلها من رب العزة والجلال، وأن الله ـ عز وجل ـ يقابل إساءته بإحسان منه وفضل، إذ المولى ـ عز وجل ـ أوسع فضلا وأجزل عطاء. (انظر صفات: السماحة، الرضا، حسن المعاملة).
ب -…التواضع مع الخلق والعفو عن زلاتهم:

(1/26)


مشاهدة العبد ذنوبه وخطاياه توجب ألا يرى لنفسه على أحد فضلا ولا يقع في اعتقاده أنه خير من أحد، وأين هذا ممن لا يزال عاتبا على الخلق شاكيا ترك قيامهم بحقه ساخطا عليهم وهم عليه أسخط، ويستتبع هذا أن يمسك عن عيوب الناس والفكر فيها لأنه مشغول بعيب نفسه، وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وويل لمن نسي عيبه وتفرغ لعيوب الناس. (انظر صفات: التواضع، الرضا، مجاهدة النفس). وإذا شهد العبد نفسه سيئًا مع ربه مع فرط إحسانه إليه، فإن هذا يقتضي منه أن يغفر للمسيئين إليه من حوله ويعفو عنهم ويسامحهم.
هذه الثمرات ونحوها متى اجتناها العبد من الذنب فهي علامة كون الابتلاء رحمة في حقه، ومن اجتنى منه أضدادها وأوجبت له خلاف ذلك، فهي علامة الشقاوة، وأنه من هوانه على الله وسقوطه من عينه خلى بينه وبين معاصيه ليقيم عليه حجة عدله، فيعاقبه باستحقاقه، وتتداعى السيئات في حقه فيتولد من الذنب ما شاء الله من المهالك والمتالف التي يهوي بها فى دركات الجحيم، والمعصية كل المعصية أن يتولد من الذنب ذنب ثم يتولد من الاثنين ثالث ثم تقوى الثلاثة فيتولد منها رابع وهلم جرا، ذلك أن الحسنات والسيئات آخذ بعضها برقاب بعض ويتلو بعضها بعضًا، قال بعض السلف:[ إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من عقاب السيئة السيئة بعدها](1)،(2).
ثالثًا: حكمة الابتلاء بالسراء أو الخير:
__________
(1) بتصرف واختصار عنابن القيم، مفتاج دار السعادة،1/286-296.
(2) وقد علمنا المولى سبحانه وتعالى ألا نيأس من رحمة الله مهما كانت معاصينا، وأيا كان إسرافنا على أنفسنا فقال : {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} (الزمر/53)، وحذرنا من التمادي في المعصية وتأخيرالتوبة وقرن بين غفرانه لمن تاب وعقابه لمن أعرض فقال: {نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم} (الحجر /49-50).

(1/27)


لا تخفى حكمة الله عز وجل في ابتلاء شخص ما بالسراء، حيث يعقب ذلك شكر العبد لربه وحمده والثناء عليه بما هو أهله، وفي هذه الحالة يفيض الله على عبده مزيدا من النعمة مصداقا لقوله تعالى {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}(1).
ومما لا شك فيه أن نتيجة هذا الشكر تعود على العبد نفسه، أما إذا كانت الأخرى وقابل العبد ما يناله من الخير أو السراء بالجحود والنكران، فإنه يؤدي إلى الطغيان والاستعلاء في الأرض وما يعقب ذلك من عتو وفساد، وقد ضرب القرآن الكريم أروع مثلين لذلك في قصتي سليمان، وقارون اللتين نشير إليهما بإيجاز ـ فيما يلي:-
قصة ابتلاء سليمان عليه السلام:
توضح قصة ابتلاء سليمان عليه السلام ـ كما حكاها القرآن الكريم ـ حكمة المولى عز وجل في ابتلاء عبده بالسراء، يقول الله تعالى: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا أَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا أَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَأَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ(2)
__________
(1) إبراهيم/7.
(2) النمل/39-40.

(1/28)


وكما توضح هذه الآيات الكريمة فإن الله عز وجل قد ابتلى سليمان بقوة السلطان والنفوذ في الأرض، ووفرة وسائل التنفيذ والإنجاز، وعرف سليمان أن ذلك لا يعدو أن يكون ابتلاء من الله عز وجل له، فشكر ربه(1). على ما أعطاه. وإذا كان رسولنا J قد أمر بالاقتداء بهؤلاء الأنبياء في قول الله سبحانه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ}(2). فإن لنا فيهم ـ تبعًا لذلك ـ الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة.
قصة ابتلاء قارون:
لقد كان قارون من قوم موسى عليه السلام، وقد امتحنه الله بوفرة الثروة فأصابه الغرور وزعم أن ما ابتلي به من خير هو ثمرة علمه وخبراته الاقتصادية، ثم راح يستغل ثروته ومنزلته لنشر الفساد ودعم الظلم والفتن وفي الترف والزينة، وكان عاقبة(3) أمره أن خسف الله به وبداره الأرض. انظر تفاصيل هذه القصة في سورة القصص آية 76‍- 83‍. (انظر صفات: الكنز ـ الغرور ـ الفتنة ـ الطغيان).
رابعًا: حكمة الابتلاء بالطاعات:
__________
(1) انظر فلسفة التربية الإسلامية ، ص 166.
(2) الأنعام/90.
(3) انظر فلسفة التربية الإسلامية ، ص 167، وانظر هذه القصة كاملة في "قصص الأنبياء" ص 281-292.

(1/29)


أما الابتلاء بالطاعات فحكمته استجلاب مزيد من الشكر وعرفان فضل الله تعالى فيما أنعم به وتفضل، وقد جاء في الحديث الشريف أن النبي J فيما يرويه عنه المغيرة بن شعبة [إن كان النبي J لا يقوم أو لا يصلي حتى ترم قدماه، فيقال له -في ذلك- فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا](1). وكفى بالشكر حافظا للنعم الموجودة وجالبا للنعم المفقودة، كما يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى(2). كما أن من حكمة هذا النوع من الابتلاء ألا يركن المرء إلى طاعته وألا يغتر بها فيكون كمن قال الله فيه {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي أَتَيْنَاهُ أَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبَوُا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}(3).
وتوضح قصة ابتلاء الخليل إبراهيم عليه السلام حكمة ابتلاء الله عز وجل أنبياءه وأولياءه بالطاعة خير توضيح، ونشير إلى هذه القصة ـ بإيجاز ـ فيما يلي:-
قصة ابتلاء إبراهيم عليه السلام:
__________
(1) البخاري - الفتح 3(6463)، ومسلم(2816)، وانظر أيضا صفة الشكر.
(2) انظر الأثر رقم(10) في صفة الشكر ج6 ، ص 2416 من هذه الموسوعة.
(3) الأعراف/175-176.

(1/30)


لقد سجل القرآن الكريم في أكثر من موضع موقف إبراهيم عليه السلام من الابتلاءات العديدة التي تعرض لها(1). وكان أبرز هذه الابتلاءات أمر الله ـ عز وجل ـ له بذبح ابنه إسماعيل، يقول الله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ}(2).
وقد عقب ابن القيم على الابتلاء في هذه القصة فقال: تأمل حال أبينا الثالث إبراهيم
J إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء وخليل رب العالمين من بني آدم، وانظر ما آلت إليه محنته وصبره، وبذله نفسه لله، وتأمل كيف آل به بذله لله نفسه، ونصرته دينه، إلى أن اتخذه الله خليلا لنفسه وأمر رسوله محمدًا J أن يتبع ملته. وأنبهك على خصلة واحدة مما أكرمه الله به في محنته بذبح ولده، فإن الله تبارك وتعالى لا يتكرم عليه أحد، وهو أكرم الأكرمين، فمن ترك لوجهه أمرا أو فعله لوجهه، بذل الله له أضعاف ما تركه من ذلك الأمر أضعافا مضاعفة، وجازاه بأضعاف ما فعله لأجله أضعافا مضاعفة(3).
الفصل الرابع
القيمة التربوية للابتلاء
للابتلاء - بأنواعه المختلفة ومظاهره العديدة - دور عظيم في تربية النفوس، وتدريبها على تحمل المشاق، وتهيئتها لمواجهة أي ظرف طارئ أو محتمل، كما أن فيها تدريبا للقوى العقلية والذهنية وتوجيها لها كي تسير على المنهج السوي الذي يحقق الغاية المرجوة منها، كما أن في ذلك حماية لها من الزيغ والانحراف، وسنشير فيما يلي إلى أهم الثمار التربوية لعملية الابتلاء.
1‍الابتلاء تربية بالخبرة:
__________
(1) انظر قصة إبراهيم عليه السلام والمواضع التي ذكرت فيها في القرآن في قصص الأنبياء لعبد الوهاب النجار، ص 70 - 107.
(2) الصافات /103-106.
(3) مفتاح دار السعادة1/300.

(1/31)


إن المبتلى بالذنوب أو بالضراء يصبح لديه من الخبرة ما يمكنه من معالجة ذلك مستقبلا معالجة صحيحة، يقول ابن القيم: المبتلى بالذنب يصبح كالطبيب المجرب الذي عرف المرض مباشرة، ومن ثم فهو يعرف كيف يعالجه علاجا صحيحا، وهذا معنى قولهم: أعرف الناس بالآفات(1) أكثرهم آفات. وهذه قيمة معرفية أولاً، وهي ثانيًا قيمة عملية تفيد في معالجة الحالات المماثلة، يقول ماجد الكيلاني: الابتلاء تربية بالخبرة هدفها فهم الخير وتذوق جماله، وفهم الشر والنفور من قبحه، ومن خلال هذا الفهم وهذا التذوق تتحقق غاية مهمة من غايات الابتلاء وهي إدراك عظمة النعم الإلهية على الإنسان، ثم يكون من وراء ذلك الابتلاء نوع من الترقي العقلي والاجتماعي، لأن الإنسان حين يمتحن بموقف معين ثم يتبع الأساليب الصحيحة لمعالجته تتكون لديه خبرة صحيحة بطبيعة المواقف الزمنية، والأشياء الكونية، ويعرف الأساليب الصحيحة لمعالجتها. وحين يخطىء هذه الأساليب الصحيحة فإنه يقف على خطورة الانحراف عن قوانين الأشياء ويعرف الآثار السيئة للأساليب الخاطئة . ويكون ثمرة ذلك كله ارتقاء النوع الإنساني(2).
__________
(1) مفتاح دار السعادة 1/295.…
(2) فلسفة التربية الإسلامية ص 172 (بتصرف

(1/32)


إن تربية الإنسان وتأديبه يقتضيان في بعض الأحيان إذاقته بعض ما يكره من المصائب أو الآلام، وعندئذ تكون مصلحة الإنسان نفسه هي التي اقتضت أن يصيبه من الله عز وجل بعض الابتلاءات التي تتربى بها نفسه وتتهذب عن طريقها أخلاقه(1). وهنا تكون [تربية النفوس على تحمل ألوان الحياة المختلفة الخاضعة لسنن ثابتة عامة ضمن مقادير الله الكبرى، وهذه الحكمة التربوية ذات فلسفة عظيمة في سر الألوان المتضادة التي تتعرض لها الحياة، إن اللذة لا تُعرف قيمتها إلا بالألم، وإن الجميل لا يُعْرَفُ جماله ما لم تعرف صورة القبح، وإن الكمال لا يدرك كماله إلا بالنقص، وبضدها تتميز الأشياء(2)].
2‍التدرب على الحذر وأخذ الحيطة:
يقول ابن القيم: من فوائد الابتلاء تحرز المُبْتَلَى من مصائد العدو ومكامنه ومعرفة من أين يدخل عليه اللصوص وقطاع الطرق؟ وأين تقع مكامنهم؟، ومن أين يخرجون عليه؟ وفي أي وقت؟ وهو بهذه المعرفة قد استعد لهم وتأهب للقائهم وعرف كيف يدفع شرهم وكيدهم، ولو أنه مر عليهم على غرة وطمأنينة لم يأمن أن يظفروا به ويجتاحوه جملة(3). (انظر صفات: الحذر ـ اليقظة ـ الفتنة ـ الغي والإغواء).
3‍اكتساب القوة والشجاعة في مواجهة الأعداء:
__________
(1) بتصرف عن: الأخلاق الإسلامية للميداني 2/479.
(2) السابق2/481.
(3) الفوائد لابن القيم 12/295 (بتصرف).

(1/33)


إن التخلص من داء الغفلة يؤدي إلى استجماع القوى، والتشجع لمحاربة العدو من شياطين الإنس والجن، فقد ينشغل الإنسان عن عدوه اللدود وهوالشيطان والنفس الأمارة بالسوء وبطانة الشر، فإذا أصابه منهم سهم استجمع قوته وحميته وطالب بثأره إن كان قلبه حرا كريما، كالرجل الشجاع إذا جرح فإنه لا يقوم له شيء بعدها حتى تراه هائجا مقداما، أما القلب الجبان المهين إذا جرح فهو كالرجل الضعيف، إذا جرح ولى هاربا فيفقد بذلك مروءته، ولا خير فيمن لا مروءة(1) له يطلب بها الثأر من عدوه، ولا عدو أعدى للإنسان من الشيطان، وقد جاء في الأثر: إن المؤمن لينضي شيطانه كما ينضي أحدكم بعيره في سفره(2). (انظر صفات: القوة، قوة الارادة، العزم والعزيمة، الشجاعة، الصبر، علو الهمة).
4‍ـ المعرفة المباشرة بأمراض النفس وكيفية علاجها:
كما أن للابتلاء أثره الفعال في مقاومة آفات الجسد والتغلب عليها، فإن له أيضا دوره الفعال في معرفة أمراض النفوس وكيفية معالجتها، وهذه هي حال المؤمن يكون فطنا حاذقا أعرف الناس بالشر وأبعدهم منه، فإذا تكلم في الشر وأسبابه ظننته من شر الناس، فإذا خالطته رأيته من أبر الناس، والمقصود أن من بلي بالآفات صار من أعرف الناس بطرقها، وأمكنه أن يسدها على نفسه وعلى الآخرين(3).
__________
(1) انظر صفة المروءة، وعلو الهمة.
(2) الفوائد لابن القيم 1/295، ومعنى ينضي بعيره: أي يكده ويتعبه ويرغمه على ما يريد
(3) الفوائد لابن القيم 1/295- 296..

(1/34)


إنه يوجد إلى جانب الاستعدادات الفطرية لدى الإنسان قوة واعية مدركة موجهة تناط بها التبعة، فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعداد الخير فيها، وتغليبه على استعداد الشر فقد أفلح ومن أظلم هذه القوة وخبأها وأضعفها فقد خاب، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}(1). إن النية الطيبة لابد أن تقترن بالتربية والصقل، وبالإعداد اللازم لتتوفر لدى الإنسان الإمكانات التي تؤهله لنقل ما ينويه إلى حيز التطبيق(2) وهنا تنبثق جملة حقائق ذات قيمة في التوجيه التربوي.
فهي أولا: ترتفع بقيمة الإنسان، حين تجعله أهلا لاحتمال تبعة اتجاهه، وتمنحه حرية الاختيار (في إطار المشيئة الإلهية التي شاءت له هذه الحرية فيما يختار) فالحرية والتبعة يضعان هذا الكائن في مكان كريم، ويقرران له في هذا الوجود منزلة عالية تليق بالخليقة التي نفخ الله فيها من روحه وسواها بيده، وفضلها على كثير من العالمين.
وهي ثانيا: تلقي على هذا الكائن تبعة مصيره، وتجعل أمره بين يديه (في إطار المشيئة الكبرى كما أسلفنا) فتثير في حسه كل مشاعر اليقظة والتحرج والتقوى. وهو يعلم أن قدر الله فيه يتحقق من خلال تصرفه هو بنفسه: {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(3). وهي تبعة ثقيلة لا يغفل صاحبها ولا يغفو!
__________
(1) الشمس/7-10.
(2) أسعد السحمراني، الأخلاق والفلسفة القديمة، ص26.
(3) الرعد/11.

(1/35)


وهي ثالثا: تشعر هذا الإنسان بالحاجة الدائمة للرجوع إلى الموازين الإلهية الثابتة، ليظل على يقين أن هواه لم يخدعه، ولم يضلله، كي لا يقوده الهوى إلى المهلكة، ولا يحق عليه قدر الله فيمن يجعل إلهه هواه، وبذلك يظل قريبا من الله، يهتدي بهديه، ويستضيء بالنور الذي أمده به في متاهات الطريق! ومن ثم فلا نهاية لما يملك هذا الإنسان أن يصل إليه من تزكية النفوس وتطهيرها ويتطهر في هذا العباب الذي يتدفق حوله من ينابيع الوجود(1).
5‍تدريب القوى العقلية وتنشيطها للقيام بمهامها على الوجه الأكمل: ويتمثل ذلك فيما يلي:-
أ - اليقظة:
إن صدمة الابتلاء -خاصة بالضراء- هي بمثابة صيحة النذير لقوم نيام تنبههم من سبات نوم الغفلة، وسكرة أحلام اليقظة، يقول الله تعالى واصفًا أولئك الذين غرقوا في مجر الغفلة {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}(2)، وهذه اليقظة(3) هي -كما يقول ابن القيم- أول منازل العبودية، وتعنى انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، ولله ما أنفع هذه الروعة وما أعظم قدرها، وما أقوى إعانتها على السلوك، ومن اليقظة ينتقل الإنسان إلى منزلة العزم (وهو العقد الجازم على الشيء)، وبحسب كمال انتباهه ويقظته تكون عزيمته، وبحسب قوة عزمه يكون استعداده(4)، وبحسب استعداده يكون تذكره.
ب- التفكر والتأمل والاعتبار:
__________
(1) في ظلال القرآن(6/3918).
(2) الحجر/72.
(3) انظر صفة اليقظة.
(4) مدارج السالكين 1/138- 139 (بتصرف).

(1/36)


إذا ابتلى الإنسان واستيقظ بدأ مرحلة التفكر والتأمل وإعمال الخاطر في تجربة الابتلاء، ورددها قلبه معتبرا، يقول ابن القيم -رحمه الله-: [أصل الخير والشر من قبل التفكر، لأن الفكر مبدأ الإرادة والطلب وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد (ما يتعلق بالآخرة) وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد، وفي طرق اجتنابها، فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار، ويليها أربعة: فكر في مصالح الدنيا، وطرق تحصيلها، وفكر في مفاسد الدنيا، وطرق الاحتراز منها.

(1/37)


إن أعظم الفكر فكر يوصل إلى معرفة الله عز وجل ويؤدي إلى ذكره وشكره، ولا يكون ذلك إلا بالتأمل في ملكوت السماوات والأرض وعجائب صنع الله سبحانه، وقد كان J مضرب المثل في هذا النوع من التفكر، مصداق ذلك ما روي عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة فقالت لعبيد بن عمير: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول يا أمه كما قال الأول: زر غبا تزدد حبا. قال فقالت: دعونا من رطانتكم هذه. قال ابن عمير: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله J قال: فسكتت ثم قالت: لما كانت ليلة من الليالي قال: [يا عائشة، ذريني أتعبد الليلة لربي] قلت والله إني لأحب قربك وأحب ما سرك. قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي. قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي. قال: يا رسول الله لِمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟ قال: [أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها(1). {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ}(2).
جـ – التذكر:
__________
(1) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (2/260) ص 387، وقال محققه: إسناده قوي على شرط مسلم. وانظر: تفسير ابن كثير (1/437)، وهو عند البخاري - الفتح (8/4837) بلفظ مختصر
(2) آل عمران /190-192.

(1/38)


إن وقوع الابتلاء هو في الحقيقة نعمة من الله وفضل منه، لأنه يذكر الإنسان ويثبته على صراط ربه المستقيم {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}(1). وعلى الإنسان أن يتذكر مصيره لو أنه ترك لهواه بدون تذكرة {أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}(2)، وقال سبحانه: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}(3).
وعند الابتلاء يتذكر الإنسان حاله في الدنيا وحاله في الآخرة، وينظر أيهما أفضل أن يُبتلى هنا أم هناك {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى}(4)، {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِاىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}(5).
وعند ساعة الاضطرار والابتلاء يعرف العبد أنه لن يكشف السوء إلا الله {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}(6). إن المرء إذا أفلح في الوصول بالتذكر بعد النسيان إلى هذه المرحلة من التدرج والارتقاء شيئًا فشيئًا، فقد أوتي حكمة من عند الله، وعرف حكمة هذا الابتلاء {يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الأَلْبَابِ}(7).
__________
(1) الأنعام/126.
(2) الجاثية/23.
(3) الزمر/27.
(4) النازعات/34-35.
(5) الفجر/21-23.
(6) النمل/62.
(7) البقرة/269.

(1/39)


ويتأكد هذا المعنى للابتلاء بقوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}(1). فالتذكر يورث البصيرة، والمقصود به هنا ـ كما يقول ابن كثير ـ أنهم تذكروا عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده ووعيده، فتابوا وأنابوا واستعاذوا بالله ورجعوا إليه من قريبٍ(2).
6‍تمحيص القلب وتزكيته:
إذا كان العقل مناط التفكير والتدبر والتذكر ونحو ذلك، فإن القلب محل الإيمان والمحبة والخشوع والخشية ونحو ذلك مما يسمى أعمال القلوب(3)، وهناك تأثير وتأثر بين الأعمال العقلية والأعمال القلبية، فالقلب يتلقى ذلك النور الناتج عن المعرفة العقلية الفطرية، أي تلك التي فطر الله الناس عليها من حب الله تعالى وعبادته وحده، فإذا تزكت الفطرة بلا فساد كان القلب عارفًا بالله محبا له(4)، وأعمال القلوب هذه هي آكَد شُعب الإيمان، وصلاح سائر الأعمال منوط بصلاح القلب، ذلك أن أعمال القلوب هي الأصل، وأعمال الجوارح تبع(5)، يقول العز بن عبدالسلام: مبدأ التكاليف كلها ومصدرها القلب، وصلاح الأجساد موقوف على صلاح القلوب، وفساد الأجساد موقوف على فساد القلوب(6).
إن كل ما ذكره العلماء في صلاح القلوب أو فسادها مستمد من قوله
J: [ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب](7).
__________
(1) الأعراف/201.
(2) تفسير ابن كثير (2/290)، وانظر صفة التذكر
(3) ذكر ابن تيمية ضمن أعمال القلب ـ وهي كثيرة ـ محبة الله ورسوله، والتوكل على الله وإخلاص الدين له والخوف منه، والرجاء له وما يتبع ذلك (الفتاوى 10/6)
(4) السابق 10/135.
(5) معالم السلوك وتزكية النفوس، ص 67.
(6) قواعد الأحكام للعز بن عبدالسلام (1/167).
(7) هذا جرء من حديث النعمان بن بشير، انظره كاملاً في صفة الصلاح (6/2603)، وقد خرَّجناه هناك.

(1/40)


إن للابتلاء دورًا عظيمًا في تمحيص القلب أي تخليصه من الشوائب غير الإيمانية، فإذا تمحص القلب وخلص قويت فيه دواعي الخشية والخوف والرجاء ونحو ذلك من الأحوال المحمودة، وإذا قويت هذه ضعفت للتو واللحظة أحواله المذمومة من نحو الوسوسة والغيظ والكبر والنفاق ونحوها مما يعرف بأمراض القلوب، وهي أعظم من أمراض الجسم، وقد عقد ابن تيمية موازنة مهمة بين النوعين: مرض الأجساد ومرض القلوب فقال: كما أن الإنسان إذا صار لا يسمع بأذنه، ولا يبصر بعينه، ولا ينطق بلسانه، كان ذلك مرضًا مؤلمًا له لما يفوته من المصالح ويحدثه من المضار، فكذلك إذا لم يسمع ولم يبصر ولم يعلم بقلبه الحق من الباطل ولم يميِّز بين الخير والشر، والغي والرشاد، فإن ذلك من أعظم أمراض قلبه(1). ويتضح من هذه الموازنة الدقيقة أن أساس مرض القلب هو الجهل وأساس صحته هو العلم، ويكون مرض القلب أيضًا بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال، وتلك هي الأهواء التي قال الله فيها: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ}(2)، وقال سبحانه: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ}(3).
وما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب (والابتلاءات) هي بمنزلة ما يصيب الجسم من الآلام التي يصح بها وتزول أخلاطه الفاسدة(4)، فكذلك الابتلاءات يصح بها القلب وتزول عنه شوائبه. يقول الله تعالى موضحا أثر الابتلاء الذي أصاب المسلمين يوم أُحُد: {وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}(5).
وسنعرض فيما يلي للأحوال القلبية التي تقوى بالابتلاء، وتلك الشوائب أو الأمراض التي يتمحص القلب بزوالها كلية أو إضعافها إلى حد كبير. ثم نشير ـ بإيجاز ـ إلى تزكية القلوب.
__________
(1) الفتاوى10/141.
(2) القصص/50.
(3) الرم/29.
(4) الفتاوى10/140
(5) آل عمران/154.

(1/41)


الأحوال القلبية التي تقوى بالابتلاء:
أ - الخشية: والمراد بها خوف الله عز وجل خوفًا يشوبه تعظيم ويقترن به إجلال(1). وقد وعد الله الذين يخشونه بالفوز والأجر الكبير، فقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ}(2). وقال جل من قائل: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}(3)، وقد كشف القرآن الكريم عن أثر هذه الخشية وثمرتها فقال تعالى: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد(4).
وقد بشر رسول الله
J من يتصف بالخشية، وقرن بينه وبين المجاهد فقال: [عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله](5).
__________
(1) انظر صفة الخشية
(2) النور/52.
(3) الملك/12.
(4) الزمر/23.
(5) سنن الترمذي (1639) وقال: حديث حسن، وانظر أيضًا الحديث رقم (11) في صفة الخشية.

(1/42)


ب - الخوف من الله تعالى: أما الخوف فيعني: اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف(1)، يقول ابن رجب: القدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثا للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات كان ذلك فضلاً محمودًا(2)، ويقول الحافظ ابن حجر: الخوف من المقامات العلية، هو من لوازم الإيمان، قال تعالى: {وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُم مُؤْمِنِينَ}(3). وهذا الخوف المحمود يقترن بالرجاء كما في قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}(4)، وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي J دخل على شاب وهو في الموت، فقال: [ كيف تجدك؟]. قال والله يارسول الله إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي . فقال رسول الله J: [لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف](5). وقد وعد الله الخائفين بالجنة فقال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ المَأْوَى}(6).
__________
(1) انظر صفة الخوف، وقد ذكرنا هناك تعريفات أخرى.
(2) التخويف من النار لابن رجب ص 21.
(3) آل عمران/175.
(4) الإسراء/57.
(5) الترمذي(389)واللفظ له،وقال:حديث حسن غريب، وابن ماجة (4261)وقال النووي: إسناده حسن. وحسنه الألباني، صحيح ابن ماجة (3436) وهو في الصحيحة (1051).
(6) النازعات/40-41.

(1/43)


جـ - الخشوع: والمراد به: قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل(1)، قال ابن القيم: والحق أنه يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار(2). وهذا الخشوع يأتي عند ذكر الله تعالى، يقول المولى سبحانه: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ أَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}(3)، ويقول جل من قائل: {قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}(4). ومن هذه الآيات الكريمة نستنبط أمرين مهمين: الأول: أن الخشوع في الصلاة هو أول صفات المؤمنين، الثاني: أن ثمرته هو الفلاح، وأن أصحابه من {الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(5).
د - الرجاء: والمراد به النظر إلى سعة رحمة الله تعالى(6) والثقة بجوده وفضله وكرمه، يقول ابن حجر: المقصود من الرجاء أن من وقع منه تقصير فليحسن ظنه بالله، ويرجو أن يمحو عنه ذنبه، وكذا من وقعت منه طاعة يرجو قبولها، وأما من انهمك على المعصية راجيا عدم المؤاخذة بغير ندم ولا إقلاع فهذا في غرور، وما أحسن قول القائل: من علامة السعادة أن تطيع، وتخاف ألا تقبل، ومن علامة الشقاء أن تعصى وترجو أن تنجو(7). إن رجاء الله واليوم الآخر هو سمة المؤمنين المتأسين برسول الله
J يقول الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا}(8).
__________
(1) انظر صفة الخشوع.
(2) مدارج السالكين (1/558).
(3) الحديد/16.
(4) المؤمنون/1-2.
(5) المؤمنون/11.
(6) انظر صفة الرجاء.
(7) انظر فتح الباري (11/301).
(8) الإحزاب/21.

(1/44)


هـ - التقوى: المراد بالتقوى هنا تقوى القلب الواردة في قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}(1)، أضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى في القلب(2). ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: [التقوى هاهنا] وأشار إلى صدره(3)، وتفسر التقوى أيضًا بالطاعة والذكر والشكر، ذلك قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}(4). قال ابن مسعود في تفسيرها: أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر(5).
__________
(1) الحج/32.
(2) تفسير القرطبي (12/56).
(3) صحيح مسلم (2564)، وانظر صفة التقوى.
(4) آل عمران/102.
(5) تفسير ابن كثير (1/369).

(1/45)


و - الاستقامة: الاستقامة هنا هي ـ كما يقول ابن رجب ـ استقامة القلب على التوحيد. وقد فسر أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ الاستقامة في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}(1). بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلب على معرفة الله تعالى، وعلى خشيته وإجلاله ومهابته ومحبته وإرادته، ورجائه ودعائه والتوكل عليه والإعراض عما سواه، استقامت الجوارح كلها على طاعته، فإن القلب هو مَلِك الأعضاء، وهي جنوده، فإذا استقام المَلِك استقامت جنوده ورعاياه، وأعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان، فإنه ترجمان القلب والمعبر عنه(2). يقول ابن القيم: الاستقامة هي سلوك المنهج القويم، وهي كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين، وهي القيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد، وتتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، وهي تعني في ذلك كله: وقوعها لله وبالله وعلى أمر الله(3). فالأقوال تشمل الدعاء والذكر ونحو ذلك من أعمال اللسان، وأعمال الجوارح تشمل الحج والعمرة ونحو ذلك، أما النيات فإنها تشمل الإيمان والإخلاص ونحوها، ويجمع ذلك كله الصلاة فإنها صلة بين العبد وربه وهي عمود الإسلام لأنها تجمع بين الأقوال والأفعال والنيات(4).
ويترتب على الاستقامة والتقوى القلبيين التزام العبد بطاعة الله تعالى في كل ما أمر به أو نهي عنه وبذلك يحسن إيمانه ويقوى إسلامه، ويتجلى إحسانه.
__________
(1) فصلت/30.
(2) جامع العلوم والحكم (193 - 194) بتصرف.
(3) مدارج السالكين (2/103) وما بعدها (بتصرف).
(4) انظر صفة الصلاة.

(1/46)


والخلاصة: أن هذه الصفات وما أشبهها من نحو الوجل، والإنابة، والضراعة، ينتج عنها من الثمار ما تصلح به جميع علاقات الإنسان، فعلاقة العبد بربه يصلحها: الخوف، والخشية، والخشوع .. ونحو ذلك. أما العلاقة بين العبد ونفسه فيصلحها: الطمأنينة، والسكينة، وانشراح الصدر .. ونحو ذلك. وفيما يتعلق بعلاقة الإنسان بالآخرين فإنها تصلح بالألفة، والرأفة، والرحمة .. ونحو ذلك، ومرد ذلك جميعه إلى صلاح القلب وما يتبعه من صلاح الجسد كما قال الرسول J في الحديث الذي أوردناه سابقا.
فخلاصة القول أنه متى ما صلح العقل والقلب صلحت الجوارح وصلح اللسان وبذلك تصلح الأقوال والأفعال وثمرة ذلك كله صلاح الأحوال في الدارين الأولى والآخرة.
الأمراض القلبية التي يعالجها الابتلاء:
الابتلاء يمحص القلب ويخلصه من الآفات التي تعرض له من الشبهات والشهوات مثل:
- الغفلة.- الغل.- الغيظ والغضب.- الكبر.…- النفاق.- اللهو واللعب.- الحسد.
- الحقد.- الوسوسة.- الشك والريبة.-القسوة وما يتبعها من الغلظة والفظاظة.- الغي.
- الابتداع والزيغ.
وقد عقدنا لهذه الخصال المذمومة ونحوها قسما خاصا بها في المجلدات (9‍‍‍)، وقد أغنانا ما ذكرناه هناك عن الإعادة هنا.
تزكية القلب:
أما زكاة القلب فإنها تحصل بأمور منها: الصدقة، فإنها لما كانت تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار صار القلب يزكو بها، وزكاته معنى زائد على طهارته من الذنب، وكذلك ترك الفواحش يزكو بها القلب، إذ هي بمنزلة الأخلاط الرديئة في البدن، فإذا تاب الإنسان من الذنوب تخلصت قوة القلب وإرادته للأعمال الصالحة، واستراح القلب من تلك الحوادث الفاسدة التي كانت فيه، وهكذا فإن التزكية وإن كان أصلها النماء والبركة وزيادة الخير فإنما تحصل أيضًا بإزالة الشر، فلهذا صار التزكي يجمع هذا وهذا(1).
__________
(1) الفتاوى، 96، 97 (باختصار).

(1/47)


إن تزكية النفس أو القلب إنما تعود على صاحبها، فهو الذي يجني ثمرتها في الدنيا والآخرة مصداقًا لقوله تعالى: {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ}(1).
الفصل الخامس
تعامل المسلم مع مواقف الابتلاء
ذكرنا أن المسلم، بل الإنسان عامة يعيش دائمًا في لحظة ما من لحظات الابتلاء، إذ هو فيما يتعلق بالابتلاء التكليفي إما في طاعة أو معصية، وفيما يتعلق بابتلاء الفتنة إما في رخاء ودعة يرفل في ثياب النعمة أو في ضيق وكرب وشقاء، تتكالب عليه صروف الدهر ويذوق البأساء أشكالاً وألوانًا، فماذا يصنع في كل هذه المواقف؟ على هذا السؤال سوف نجيب في الفقرات الآتية:
أولاً:… تعامل المسلم المبتلى بالضراء.
ثانيًا:… تعامل المسلم المبتلى بالسراء.
ثالثًا:… تعامل المسلم المبتلى بالمعاصي.
رابعًا: تعامل المسلم المبتلى بالطاعات.
أولاً: تعامل المسلم المبتلى بالضراء:
إذا ابتلي المسلم في بدنه أو أهله أو ماله، فإن عليه أن يسير وفق المنهج الإسلامي الصحيح لمواجهة مثل هذه الحالة وتتلخص خطوات هذا المنهج في النقاط الآتية:
1‍…اليقين والرضا:
__________
(1) فاطر/18.

(1/48)


- الخطوة الأولى: على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا بأن هناك حياة أخرى هي خير من هذه الحياة، قال تعالى: {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}(1)، وقال سبحانه: {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ المُتَّقِينَ}(2)، ويعني اعتقاد هذا أن تلك المحنة مهما طالت فهي إلى زوال، لأن الدنيا نفسها زائلة، وهي لا تعدو أن تكون دار امتحان وابتلاء، يقول الله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا أَمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}(3). ومن هذا المنظور للحياة يتكون لدى الشخص المبتلى حوافز للرقي والسمو فوق المحنة، فيجاهد نفسه، ويقول عند المصيبة {إنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}(4). وقد جعل الله هذه الجملة ذكر الذاكر بعد نزول المصائب، لأن المصائب لا تعدو أن تكون سلبا للنِّعم التي سبق أن أنعم الله بها عليه، أو حرمانا من النعم التي أنعم الله بمثلها على عباده، والنعم لدى التحقيق هي ملك للهِ تعالى، والناس وسائر عباد الله الذين ينعم عليهم بالنعم هم أيضًا مِلْك للهِ تعالى، ومصير العباد كلِّهم أن يرجعوا إلى مالكهم، ومصير الأشياء كلِّها أن تعود إلى مالكها سبحانه وتعالى، فهو الذي يقول في كتابه: {إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ المَتِينُ} (5). وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}(6). فإذا ابتلى الله المؤمن فاستردَّ منه نعمة كان قد وضعها بين يديه ليبتليه بها، فإن المؤمن يتذكّر بسرعة أنّ الله هو مالك كلِّ شيء، {يَا
__________
(1) الأعلى/17.
(2) النحل/30.
(3) العنكبوت/2-3.
(4) البقرة/156.
(5) الذاريات/58.
(6) فاطر/3.

(1/49)


أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}(1)، {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}(2). ويتذكَّر أيضًا أنه هو نفسه مملوك لله، وأنَّ جميع الخلائق مملوكون له سبحانه وأنهم عباده، وأنهم جميعًا راجعون إليه، فإذا رجع الملك إلى مالكه فعلامَ الحزن؟ وعلام الأسى؟ ولِمَ الاعتراض؟ ولماذا التسخط؟
فحينما يتذكَّر المؤمن قوله تعالى: {اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}(3)، وتذكر هذه الحقائق يُعلن عبارة الإيمان التي تدلُّ عليها فيقول:{إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.
هذه العقيدة الإيمانية رحمة من الله تملأ القلوب طمأنينة وتسليمًا، ورضىً عن الله -عز وجل- فيما جرت به مقاديره(4).
__________
(1) فاطر/15.
(2) الحديد/29.
(3) الروم/40.
(4) الأخلاق الإسلامية (2/475 ـ 476).

(1/50)


فما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن يتمثل دائمًا قول الله تعالى: {قُل لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}(1)، {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا أَتَاكُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}(2). {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(3). أي بمشيئته وإرادته عز وجل. قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، وفي الآية بيان بأن من ثواب الصبر هداية ا لقلب، وصح في الحديث [لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له] والله عز وجل يقول: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(4). وعليه أن يعلم يقينا أن الله وحده هو الذي يملك كشف الضر عنه مصداقًا لقوله سبحانه: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ}(5). {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(6)
__________
(1) التوبة/51.
(2) الحديد/22-23.
(3) التغابن/11.
(4) البقرة/216.
(5) يونس/107.
(6) القصص/68.

(1/51)


إن هذا الاعتقاد الجازم وذلك اليقين الإيماني يجعلان المبتلى يجدد صلته بخالقه ويجلب له سعادة واطمئنانًا، ويلقي عليه من السكينة عند وقوع البلاء ما يجعل نفسه آمنة مطمئنة راضية بقضاء الله وقدره، وهنا يستطيع المسلم أن يتخلص من الاضطرابات الانفعالية التي تصيب المرء عادة عند وقوع البلاء، وأفضل علاج نفسي لهذه الحالة هو ذكر الله ـ عز وجل ـ {أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(1). وتلاوة القرآن، قال تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}(2)،(3).
إن الإيمان وما يتبعه من الاحتساب، والتوكل على الله، والرضا بقضاء الله وقدره والإيمان به، والذكر، وتلاوة القرآن(4) هو المسكن الأول أو الخطوة الأولى في علاج ما ينتاب المبتلى بالضراء وهي تنقذه من أن يقع فريسة لانشغال الفكر بالهموم المادية أو المعنوية ومن تشتت العقل بتأثير القلق على المستقبل، كما أنها تبعد عنه الوساوس التي تعصف بالإنسان وتجعله غير قادر على القيام بواجباته.
وقد أخبر الله عز وجل عن عموم قدرته وقهره لكل ما سواه، وذل كل شيء لعظمته، فقال: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ أَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(5).
وبمعرفة أنه سبحانه على صراط مستقيم، في كل ما يقضيه ويقدره فلا يخاف العبد جوره ولا ظلمه، فإنه على صراط مستقيم. فهو سبحانه ماض في عبده حكمه، عدل فيه قضاؤه، له الملك وله الحمد، لا يخرج تصرفه في عباده عن العدل والفضل، إن أعطى وأكرم وهدى ووفق فبفضله ورحمته، وإن منع وأهان وأضل وخذل وأشقى فبعدله وحكمته، وهو على صراط مستقيم في هذا وهذا.
__________
(1) الرعد/28.
(2) الإسراء/82.
(3) بتصرف واختصار عن: روح الدين الإسلامي (ص 177).
(4) انظر صفات: الإيمان ـ اليقين ـ الذكر ـ تلاوة القرآن ـ الرضا ـ الاحتساب، من هذه الموسوعة.
(5) هود/56.

(1/52)


وفي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد: [ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرجا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن](1).
2‍…الصبر والاحتساب:
__________
(1) الداء والدواء ص 349، وانظر الحديث في صفة التوسل جـ 4، ص 1373، وقد خرَّجناه هناك.

(1/53)


تتمثل الخطوة الثانية في الصبر على آثار الابتلاء ـ أو بالأحرى ـ الحالات الناجمة عنه من الملل والقلق والاضطراب والوساوس، في الصبر الجميل(1) والاحتساب تأسيا برسول الله J، الذي أمره ربه بالصبر على الأذى أسوة بأولي العزم من الرُّسل، قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}(2)، وقال عزَّ من قائل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ}(3)، فهذا الصبر يجعله في معية الله تعالى، مصداقًا لقوله سبحانه: {إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(4)، كما يجعله من أهل محبته، فهو سبحانه القائل: {وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}(5)، وأن يتيقن أن مع العسر يسرا وأن مع الكرب فرجا وأن الله سبحانه هو الذي يكشف ضره، قال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ}(6)، وأنه ستشمله رحمة الله تعالى سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}(7)، ويقول سبحانه: {سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا}(8)، ويقول تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}(9)، وأن من تمام رحمته سبحانه أن يكفر عنه بهذه البلايا ما سبق من سيئاته، فقد جاء في الحديث الشريف: [ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كَفَّرَ اللهُ بها من خطاياه](10)، وليعلم أن جزاء الصبر هو الفوز برضوان الله تعالى والفوز بالجنة، كما قال
__________
(1) الصبر الجميل: هو الصبر الذي لا شكوى معه، انظر صفات: الصبر، الاحتساب، الرضا، القناعة والسماحة في مواضعها من هذه الموسوعة.
(2) الأحقاف/35.
(3) الأنعام/90.
(4) آل عمران/146.
(5) البقرة/153.
(6) الأنعام/17.
(7) الشورى/28.
(8) الطلاق/7.
(9) الشرح/5-6.
(10) انظر هذا الحديث في صفة الاحتساب، جـ 2، ص 65، وقد خرَّجناه هناك.

(1/54)


تعالى: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الفَائِزُونَ}(1).
3‍…محاسبة النفس تعقبها التوبة والاستغفار:
ـ الخطوة الثالثة: على المسلم إذا ابتلي بالضراء أن يتأمل حياته الحالية والماضية وينظر أيضًا في نواياه المستقبلية، وأن يعلم أن ما أصابه من حسنة فمن الله تعالى وما أصابه من سيئة فمن نفسه، كما قال تعالى: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}(2)، فإن وجد ذنوبًا ـ وما أكثرها ـ فليبادر إلى محاسبة نفسه، وأن يتلمس عيوبه، لأن جهله بها من أكبر ذنوبه، والفاجر لا يحاسب نفسه، أما المؤمن فذو نفس لوامة، تلوم على الشر، لِمَ فعلته؟ وتلوم على الخير، لِمَ لا تستكثر منه؟(3)، ويترتب على ذلك اللجوء الفوري إلى التوبة النصوح، والتطهر من الذنوب، والإكثار من الاستغفار، فالتوبة تجعل التائب من أهل محبة الله ـ عز وجل ـ:{إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}(4). والاستغفار له أثره العظيم في جلب الرزق ودفع البلاء، يقول تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَكُمْ أَنْهَارًا}(5). كما أن الاستغفار من موجبات رحمته تعالى، سبحانه هو القائل: { لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}(6). وهو أيضًا من مبعدات عذابه، أليس هو القائل:{وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}(7)، وهو أيضا من الوسائل الجالبة للخير العميم والمتاع الحسن خاصة عند اقترانه بالتوبة، يقول الله تبارك وتعالى:{وَأَنِ
__________
(1) المؤمنون/111.
(2) النساء/79.
(3) انظر في معنى اللوم، والنفس اللوامة تفسير ابن كثير 4/447 ـ 448.
(4) البقرة/222.
(5) نوح/10-12.
(6) النمل/46.
(7) الأنفال/33.

(1/55)


اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ}(1)، (2)، ويقول عز من قائل: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ}(3).
4‍…الاستقامة والتقوى:
__________
(1) هود/3.
(2) انظر صفات: الاستغفار والتوبة ومحاسبة النفس والفوائد التي ترجع إلى الإنسان من التحلي بهذه الصفات .
(3) آل عمران/133-136.

(1/56)


ـ الخطوة الرابعة: التزام الاستقامة والتقوى. أما الاستقامة فلأنها أقوى سبب للرقي الإيماني، وما انتشرت في قوم إلا صلح حالهم وزاد إقبالهم على الخير، والمستقيمون هم الذين وعدهم الله عز وجل بإذهاب الحزن وإبعاد الخوف عنهم في الدنيا والآخرة(1)، يقول الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}(2). ويطمئنهم الله بقوله:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون(3).
أما التقوى فهي من مفاتيح السعادة لأنها تجعل المؤمن في معية الله تعالى وتجلب رحمته ورزقه، قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}(4)، كما أنها مفتاح للخروج من الأزمات ومجلبة للرزق، قال تعالى:{وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}(5). وقبل ذلك وبعده، فالتوبة تجعل العبد من أهل محبة الله تعالى: {فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}(6).
__________
(1) روح الدين الإسلامي (ص305).
(2) فصلت/30-32.
(3) الأحقاف/13.
(4) الأعراف/156.
(5) الطلاق/2-3.
(6) آل عمران/76.

(1/57)


ويترتب على الالتزام بالاستقامة ومداومة الطاعة الورع والابتعاد عن مواطن الشبهات ورفقاء السوء من الفُجَّار والمنافقين وأهل الفسق والضلال، يقول الله تعالى: {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المُتَّقِينَ}(1). ويقول الرسول J: [الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل](2).
5‍…الدعاء والتضرع والتوكل على الله:
ـ الخطوة الخامسة: التوجه بالدعاء إلى الله ـ عز وجل ـ والتضرع إليه والاستغاثة به أن يكشف ما به من سوء، وأن يرزقه العافية، وذلك كما حدث من نبي الله أيوب ـ عليه السلام ـ ويستحب أن يتوسل إلى الله ـ عز وجل ـ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، قال تعالى: {وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا(3) كما يستحب أيضا أن يدعوه بصالح أعماله كما حدث من الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار فدعوا الله بصالح أعمالهم ففرج عنهم(4). وبعد الدعاء، تأتي الاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه، قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}(5)، فالشدة يعقبها الفرج، وإن مع العسر يسرا، يقول الشاعر:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى……ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها……فرجت وكنت أظنها لا تفرج
__________
(1) الزخرف/67.
(2) رواه أبو داود والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب، انظر الحديث رقم 2484.
(3) الأعراف / 180 .
(4) انظر تلك القصة في هذه الموسوعة، صفة التوسل، ومن الدلالات العظيمة لهذه القصة أن التوسل لا يكون إلا بصالح الأعمال، أما ما يفعله الجهال من التوسل بالأنبياء والأولياء والقبور ونحوها، فإن هذا لا يجدي نفعا، وإنما قد يوقع صاحبه في الشرك ـ أعاذنا الله من ذلك ـ، وانظر أيضًا صفة التوكل
(5) الطلاق / 2 - 3.

(1/58)


وبعد التوكل واعتقاد الفرج فلابد من الأخذ بالأسباب التي تساعده في الخروج من أزمة الابتلاء، يقول ابن القيم: فالتوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب ويندفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التوكل، ولكن من تمام التوكل عدم الركون إلى الأسباب وحدها، فالأسباب محل حكمة الله وأمره ونهيه والتوكل متعلق بربوبيته وقضائه وقدره. قال تعالى: {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}(1)، وقال عز وجل: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(2)، وقد استغاث النبي J والصحابة الكرام بربهم يوم بدر ـ ولنا في المصطفى J الأسوة الحسنة ـ فاستجاب الله لهم(3)، وسجل القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ }(4)، وقال عزَّ مِنْ قَائِلٍ: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ}(5).
وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد
J حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}(6)،(7)، وعن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله J: [لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا](8). والتوكل يجعل صاحبه من أهل محبة الله تعالى الذي يقول: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(9).
__________
(1) الزمر/62.
(2) غافر/60.
(3) انظر صفات: الدعاء ـ الاستعانة ـ الاستغاثة ـ التوكل ـ الضراعة والتضرع، من هذه الموسوعة
(4) الأنفال/9.
(5) الأعراف/56.
(6) آل عمران/173.
(7) البخاري ـ الفتح (8/4563).
(8) رواه الترمذي (2324) وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(9) آل عمران/159.

(1/59)


6‍…التهيؤ النفسي لما بعد الابتلاء:
ـ الخطوة السادسة: إذا لم يجد المبتلى ذنبا في الحال ـ وهذا نادر ـ فليعلم أن هذا الابتلاء تمحيص له، وتدريب على تحمل المشاق التي تؤدي في النهاية إلى ابتلاء من نوع آخر هو الابتلاء بالسراء أو التمكين في الأرض وهذا معنى قول الشافعي ـ رحمه الله ـ إن أحدًا لا يُمَكَّن حتى يبتلى(1)، وذلك هو حال أولي العزم من الرسل ومن اتبعهم من صالحي المؤمنين، ومما يقرِّب هذه المسألة إلى الأذهان أننا نجد تقوية الجسم إنما تكون بممارسة الرياضات التي تستلزم مجهودًا شاقًّا، فكذلك تنمية القوة النفسية تستلزم التدريب على تحمل المشاق والابتلاءات، وكذلك قطف ثمار الزرع لا يتم إلا بعد بذل مجهود الحرث والزرع والسقاية.
__________
(1) انظر عبارة الشافعي التي وردت في سياق الإجابة عن سؤال: أيهما أفضل للمرء، الابتلاء أو التمكين؟ وقارن بـ [الفوائد لابن القيم(286).

(1/60)


ولذا كان على الإنسان أن يفوض أمره إلى ربه، وألا يقنط وييأس من رحمة الله، قال تعالى: {وَمَن يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ}(1)، والقنوط هو استبعاد الفرج واليأس منه، وهو يقابل الأمن من مكر الله، وكلا الأمرين ذنب عظيم، لما في القنوط من سوء الظن بالله، وسوء الظن مَجْلَبَةٌ لغضب الله ولعنته، يقول الله تعالى: {الظَّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}(2)، وهو أيضًا من أكبر الكبائر، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: إن رجلا قال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: [الشرك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله](3). وقد نهانا الله عز وجل عن القنوط مهما كان إسرافنا على أنفسنا، يقول سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغُفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لِمَنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}(4).
7‍…السكينة والطمأنينة:
__________
(1) الحجر/56.
(2) الفتح/6.
(3) ذكره الهيثمي في المجمع، وقال: رواه البزار والطبراني ورجاله موثقون (1/104).
(4) الزمر/53 - 58.

(1/61)


ـ الخطوة السابعة: إذا تاب المسلم واستغفر ربه، وأقلع عن معصيته، ودعا الله بصالح أعماله، وتوكل على الله، وأخذ بالأسباب ولم ينكشف ما به، فعليه أن يعلم ويتيقن أن ذلك لحكمة اقتضاها المولى عز وجل لا يعرفها الآن، وكفاه في ذلك أن يعد في معية الله تعالى وأنه من أهل محبته(1)، ومن أظهر الأدلة على ذلك قصة الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام بأمر من ربه ـ عز وجل ـ كي يقي والديه من الطغيان والكفر(2) ولا شك أن الابتلاء بفقد الولد أخف كثيرًا من الابتلاء بالكفر والطغيان، قال ابن كثير في تفسير قوله تعالي:{فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} (3): أي يحملهما حبه على متابعته في الكفر، وقال قتادة: لو بقي لكان فيه هلاكهما، فليرض المرء بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب(4). ومن ثم وجب عليه الرضا حتى ينجو بنفسه من سخط الله تعالى، ويترتب على هذا الرضا أن يقذف الله في قلبه السكينة والطمأنينة(5). وربما كان ما تكرهه نفسه هو عين الكرامة في حقه وهو وسيلته المستقبلية للحصول على أعلى الدرجات، يقول الله تعالى:{ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(6). ومن هنا تتجلى حكم التوكل والاحتساب والاستخارة(7). في أمور العبد، فإن العبد قاصر عن إدراك ما ينفعه في دينه ودنياه ولذلك شرعت الاستخارة وتفويض الأمر إلى الله.
ثانيًا: تعامل المسلم المبتلى بالسراء:
__________
(1) انظر الخطوة الثالثة.
(2) انظر هذه القصة القرآنية في سورة الكهف، الآيات (74، 75، 80، 81).
(3) الكهف/80.
(4) انظر تفسير ابن كثير (3/104).
(5) انظر صفات: الرضا والسكينة والطمأنينة
(6) البقرة/216.
(7) انظر صفة التوكل والاحتساب والاستخارة والسخط.

(1/62)


إذا ابتلى الله المسلم بالسراء وأنعم عليه بالصحة في بدنه، والسعة في رزقه، ومكّن له في الأرض، وأعطاه من الجاه أو العلم أو السلطان ما يسر به خاطره، فعليه أن يتصرف في هذا الموقف تبعا للخطوات الآتية:
1‍الخطوة الأولى: اليقين الجازم بأن هذه الدنيا وما فيها عَرَضٌ زائل، وأن الرُّجعى إلى الله ـ عز وجل ـ ومن ثَم فلا ينبغي أن ينسيه هذا المال أو الجاه ذكر الله ـ عز وجل ـ وافتقاره إليه {يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ واللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (1)، وعليه أن يعلم بأن هذا اليقين هو أساس الإيمان الصادق، وأنه منه (أي اليقين من الإيمان) بمنزلة الروح من الجسد، وقد ورد في الأثر عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ أن اليقين هو الإيمان كله(2).
2‍الخطوة الثانية: أَنْ يحمد الله سبحانه ويشكره على ما أنعم به عليه، قال تعالى {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}(3)، وهذا الشكر ترجع فائدته للإنسان نفسه يقول الله سبحانه: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ}(4)،(5).
__________
(1) فاطر/15.
(2) انظر صفة اليقين، وخاصة الأثر رقم 2 (جـ 8 ص 3728).
(3) إبراهيم/7.
(4) النمل/40.
(5) انظر صفات: الحمد، الشكر، الذكر

(1/63)


3‍الخطوة الثالثة: أداء حق الله تعالى فى هذ المال، ويتمثل ذلك في إخراج الزكاة، والصدقة والبر وبر الوالدين والإنفاق والإحسان إلى الفقراء والمساكين وتفريج الكربات، يقول الله تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا أَتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ}(1)، وفائدة هذا الإحسان إنما تعود للإنسان نفسه، مصداق ذلك قول الله تعالى:{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}(2)، وقد قرن الله ـ عز وجل ـ الإسلام بالإحسان، وجعلهما أفضل ما يتحلى به المسلم فقال عز من قائل: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}(3)، وقال أيضا:{وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}(4)،(5). وقال عز وجل:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُم مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ أَمِنُونَ}(6). وقد ورد في الحديث: [إن لله أقوامًا اختصهم بالنعم لمنافع عباده يقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم](7).
(أخرجه الطبراني وابن أبي الدنيا)، وعن ابن عباس مرفوعًا: [ما من عبد أنعم الله عليه نعمة وأسبغها عليه ثم جعل حوائج الناس إليه فتبرم فقد عرض تلك النعم للزوال](8).
__________
(1) القصص/77.
(2) الإسراء/7.
(3) النساء/125.
(4) لقمان/22.
(5) انظر صفات الزكاة والصدقة والإنفاق والبر وغيرها من صفات تنطوي تحت لواء الإحسان، وقد أوضحنا هناك أن الإحسان يشمل أمرين: العبادات والمعاملات، واللفظ على إطلاقه يحتمل الأمرين جميعًا.
(6) النمل/89.
(7) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (3/391)، وقال: أخرجه الطبراني وابن أبي الدنيا، ولقد قيل بتحسين سنده.
(8) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (3/391)، وقال: رواه الطبراني بإسناد جيد.

(1/64)


4‍الخطوة الرابعة: أن يلتزم بالطاعة والعبادة وإخلاص الوجه لله تعالى، وسائر الأعمال الصالحة لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}(1)، وأن لا يأمن مكر الله لقوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}(2)، إن الأمن من مكر الله يدل على ضعف الإيمان فلا يبالي صاحبه بما ترك من الواجبات، وفعل من المحرمات، لعدم خوفه من الله بما فعل أو ترك، وهذا من أعظم الذنوب، وأجمعها للعيوب، ومعنى الآية أن الله تبارك وتعالى لما ذكر حال أهل القرى المكذبين للرسل، بين أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من مكر الله وعدم الخوف منه، وذلك أنهم أمنوا مكر الله لما استدرجهم بالسراء والنعم فاستبعدوا أن يكون ذلك مكرًا، قال الحسن: من وسع عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، وقال قتادة: بغت القوم أمر الله ما أخذ قوم قط إلا عند سلوتهم وغِرَّتهم فلا تغتروا بالله(3).
5‍الخطوة الخامسة: الابتعاد عن تلك الذنوب التي تسمى بالذنوب الملكية من نحو الجبروت والتكبُّر والعظمة والقهر والاستعلاء في الأرض، وذلك كما حدث من فرعون وغيره من الجبابرة الذين طغوا في الأرض وعتوا عن أمر ربهم، ويتبع ذلك البعد عن الغرور وحُب الثناء واستعباد الخلق وظلمهم واحتقار الفقراء والسخرية منهم ونحو ذلِكَ(4). وباختصار فإن عليه التخلي عن النظرة الفوقية واعتقاد أنه أعلى من الناس وأنهم دونه، وأن يتذكَّر دائمًا أن فقير اليوم قد يصبح غني الغد وأن الأيام دولة بين الناس، مصداقًا لقوله تعالى: {وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}(5).
__________
(1) البينة/7.
(2) الأعراف/99.
(3) التوحيد وقرة عيون الموحدين، ص 374
(4) انظر في أنواع الذنوب، ومنها الذنوب الملكية، صفة العصيان (من هذه الموسوعة).
(5) آل عمران/140.

(1/65)


إن على الإنسان المبتلى بالسراء أن يتذكر قدرة الله عزَّ وجلَّ على تغيير الأحوال في لمح البصر، وأن يعي معنى قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ علَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(1)، فإذا لم يُجْدِ ذلك نفعًا وأحس بطغيان المال فعليه أن يتذكر ضعفه وأنه يوما راجع إلى ربه، قال تعالى:{كَلاَّ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَأَهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى}(2)، وعليه أن يعلم أن هذا الرزق إنما هو على حسب مشيئة الله تعالى وهو أعلم بأحوال عباده {وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} (3)، وعلى صاحب المال ألا يبالغ في الفرح به، لأن ذلك الفرح يؤدي به إلى البطر والترف كما أنه يؤذي الفقراء والمحرومين ويؤدي بالإنسان إلى الاستهتار بالنعمة وترك الحيطة لصروف الزمان(4)، أما الفرح الحقيقي فينبغي أن يكون بفضل الله وبرحمته مصداقا لقوله تعالى {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}(5)، وإذا تخلَّى عن هذه الذنوب فليتحلّ بأضدادها من نحو الخشوع والخشية والخوف من الله تعالى والتواضع والرحمة(6) ونحو ذلك.
__________
(1) يونس/24.
(2) العلق/6- 8.
(3) الشورى/27.
(4) بتصرف يسير عن: روح الدين الإسلامي (172).
(5) يونس/58.
(6) انظر هذه الصفات في مظانها في الموسوعة

(1/66)


6‍الخطوة السادسة: البعد عن التشبه بالشيطان بارتكاب الذنوب الشيطانية(1)، كما في الحسد، والبغي، والغل، والخداع، والمكر، والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، والافتتان بالمال أو الجاه أو السلطان(2)، فهذه تؤدي إلى ذنوب الشح والبخل وحب التكاثر والجبن، ويتذكر قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}(3)، وعليه أن يتحلى بعكس ذلك من صفات الحب والأمانة وسلامة الصدر والأمر بالمعروف ونحوها، كما يلزمه البعد عن سائر أنواع الذنوب الأخرى.
__________
(1) انظر فى هذه الذنوب الشيطانية: صفة العصيان (من هذه الموسوعة)، وقارن بابن تيمية، كتاب الإيمان، جـ 5(من الفتاوى) ص73.
(2) انظر هذه الصفات في مظانها في الموسوعة
(3) التكاثر/1- 2.

(1/67)


7‍الخطوة السابعة: على المسلم أن يتذكر دائما أن التوسعة في الرزق أو البسطة في العلم أو الجسم ليست إلا اختبارًا له من مولاه وليست بحال دليلاً على إكرام الله ـ عز وجل ـ له، فقد نفى القرآن الكريم أن تكون كثرة المال أو الولد دليلاً على رضى المولى تعالى، وإنما العمل الصالح هو الوسيلة الحقيقية للحصول على هذا الرضوان والقرب من الله ـ عز وجل ـ يقول سبحانه: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى}(1)، وهى على العكس من ذلك فتنة واختبار ينجح فيه من ينجح ويفشل فيه من يفشل، يقول الله تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ}(2)، والحذر من الفتنة يقتضي الابتعاد عن الترف لأنه يضعف الإرادة الإنسانية ويجعلها شديدة الحرص على التقليد واستمرار ما هي فيه فلا تتطلع إلى آفاق جديدة لإصلاح المجتمعات التي تعيش بين ظهرانيها، كما أن الترف مدعاة للانزلاق في هاوية المنكرات وإلى الفخر والعجب والتكاثر ورفض الحق(3)، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}(4).
__________
(1) سبا/37.
(2) الأنفال/28.
(3) انظر روح الدين الإسلامي(168).
(4) سبا/34.

(1/68)


لقد بلغ الصراع على المال أشدّه في هذا العصر، وصرف كثيرا من الناس عن ربهم وعن الأخذ بالقيم الأخلاقية النبيلة، وأدى إلى إثارة أغلب المشاكل التي يعانيها العالم اليوم وإن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض، ولهذا توجهت تعاليم القرآن إلى التخفيف من شرور المال وتحذير الناس من الانقياد الكلي له كي لا يفتنهم عن دينهم ويلهيهم عن ذكر الله(1)، قال سبحانه في وصف المؤمنين:{ رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ}(2). وعلى العكس من ذلك فقد أرشدهم إلى كيفية التصرف الصحيح في تلك الأموال بقوله: {وَابْتَغِ فِيمَا أَتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ}(3).
ثالثًا: تعامل المسلم المبتلى بالمعاصي:
إِذا ابتلي المسلم بارتكاب المعاصي أيًّا كان نوعها(4)، فإن عليه القيام بالخطوات الآتية:
1‍ـ الحياء من الله عز وجل والعفة عن محارمه:
على المبتلى بالمعصية أن يَتَيَقَّن بأن هذه الدنيا وما فيها من ملذات هي بالقطع إلى زوال. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ}(5).
__________
(1) انظر روح الدين الإسلامي (169).
(2) النور/37.
(3) القصص/77.
(4) انظر أنواع المعاصي في صفة [العصيان] من هذه الموسوعة
(5) فاطر/5.

(1/69)


وأن الإنسان لا ينفعه يوم القيامة سوى أن يأتي الله بقلب سليم، قال تعالى في وصف هذا اليوم: {يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(1)، ولا تتم سلامة القلب حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى نفس يناقض التجرد من شهوات الدنيا، وهذه الخمسة حجب عن الله تعالى لابد للمسلم من التخلص منها بالاستعانة بالله ـ عز وجل ـ(2).
2‍ـ استحضار العقوبة (الخوف ـ الخشية ـ الرهبة):
__________
(1) الشعراء/88 - 89 .
(2) الداء والدواء لابن القيم (219).

(1/70)


على العاصي أن يضع نصب عينيه أنه لن يفلت من العقاب، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}(1)، ويقول سبحانه: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}(2)، وأن هذا العقاب قد يعاجله في الدنيا فتكون معيشته ضنكا {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}(3)، ويرسل عليه أنواعًا أخرى من الهموم والبلايا ما يجعله في نكد دائم وحزن مستمر، قال تعالى: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}(4). {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ}(5). وإذا أفلت العاصي من عقاب الدنيا فإن عذاب الآخرة أشق، قال تعالى: {لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ وَاقٍ}(1(6). {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(7). وقال عز من قائل: {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}(8). وهذه تشمل الدور الثلاثة الدنيا والبرزخ والآخرة(9)
__________
(1) ص/27-28.
(2) الجاثية /21 - 22.
(3) طه /124.
(4) الأعراف/163.
(5) البروج/10.
(6) الرعد/34.
(7) النازعات/40 - 41 .
(8) الانفطار/14.
(9) الداء والدواء ص 218.

(1/71)


.
ولكي يدفع عن نفسه هذه العقوبة فليعلم أن المؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب:
(1‍) أن يتوب فيتوب الله عليه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(1).
(2‍) أن يستغفر فيُغفَر له.
(3‍) أن يعمل حسنات تمحوها، فإن الحسنات يذهبن السيئات، {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}(2).
(4‍) أن يدعو له إخوانه المؤمنون، ويستغفرون له حيًّا أو مَيِّتًا.
(5‍) أن يهدوا له من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به.
(6‍) أن يشفع له نبيه محمد
J.
(7‍) أن يبتليه الله تعالى في الدنيا بمصائب تُكَفِّر عنه.
(8‍) أن يبتليه في البرزخ بالصعقة فيُكَفِّر بها عنه.
(9‍) أن يبتليه في عرصات القيامة من أهوالها بما يُكَفِّر به عنه.
(0‍‍) أن يرحمه أرحم الراحمين(3).
3‍ـ الإقلاع الفوري:
__________
(1) المائدة/39.
(2) هود/114.
(3) الفتاوى لابن تيمية 10/45 .

(1/72)


الإقلاع الفوري عن الذنوب والمعاصي، ورد المظالم إلى أهلها، والاعتذار عن الإساءات والإهانات التي يكون قد آذى بها غيره، وأول ذلك اجتناب الكبائر، قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُدْخَلاً كَرِيمًا}(1). وقال سبحانه: {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَأَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا}(2). والابتعاد عن أماكن وأسباب وقوعها وعوامل إثارتها كالصحبة السيئة، ولا يكون ذلك إلا بالورع(3) والتقوى.
4‍ـ الاستغفار والتوبة:
بعد الإقلاع عن المعاصي ورد المظالم والإهانات، يأتي الاستغفار والتوبة(4) فهما الباب الذي لا يغلقه الله في وجه أحد ما لم يغرغر، فالله عز وجل يغفر الذنوب جميعا (عدا الشرك بالله)، قال تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}(5). وعليه أن يتحلَّى بصفتي العفو والصفح لأن ذلك مجلبة لمغفرة الله تعالى مصداقًا لقوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(6)، وعليه أيضًا بالذكر فإنه من موجبات الرحمة وغفران الذنوب، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(7).
5‍ـ الثقة برحمة الله تعالى وسعة عفوه:
__________
(1) النساء/31.
(2) الفرقان/70.
(3) الورع يعني اجتناب الشبهات خوفًا من الوقوع في المحرمات، والتجرج عنها ولا يكون ذلك إلا بملازمة الأعمال الجميلة
(4) انظر صفتي التوبة والاستغفار.
(5) النساء/48.
(6) النور/22.
(7) آل عمران /135.

(1/73)


لقد كتب الله على نفسه الرحمة بقوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}(1)، وهو سبحانه يغفر الذنوب جميعًا مصداق ذلك قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(2)، وقال سبحانه: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(3). ويذكرنا ربنا بهذه الرحمة الواسعة في كل صلاة، بل في كل ركعة مرتين: الأولى في البسملة(4)، والثانية في قوله سبحانه: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}(5).
6‍جهاد الشيطان واتخاذه عدوًّا:
__________
(1) الأنعام/45.
(2) الزمر/53.
(3) يوسف/87.
(4) ويكون ذلك أيضًا في جميع سور القرآن.
(5) الفاتحة/3.

(1/74)


على المسلم بعد إقلاعه عن الذنب وتوبته واستغفاره أن يحصن مواقعه حتى لا يخترقها عدوه اللدود وهو الشيطان، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا}(1)، وقال عز من قائل: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}(2)، وقال سبحانه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي أَدَمَ أَلاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}(3)، وعليه أن يعلم بأن هذا العدو اللعين يتخذ من الحيل والأساليب ما يجعله يرتدي ثياب الصديق، فيبذل الكثير من الوعود الكاذبة والأماني الخادعة، ويدعو أصحابه ليكونوا من أصحاب السعير، ثم لا يغني عنهم فتيلاً عندما يقضي الحق بين العباد، يقول الله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(4).
__________
(1) الإسراء / 53
(2) فاطر/6.
(3) يس/60 - 61.
(4) إبراهيم/22.

(1/75)


يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ عَلَّم الله سبحانه عبادَه كيفية هذه الحرب وذلك الجهاد فجمعها لهم في أربع كلمات فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1)، قال: والمرابطة هنا لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل منه العدو، ولزوم ثغر العين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل، وعلى المسلم ألاَّ يخلي هذه الثغور فيصادف الشيطان منها ثغرًا خاليًا فيدخل منه، وهؤلاء أصحاب رسول الله J خير الخلق بعد النبيين والمرسلين وأعظمهم حماية وحراسة من الشيطان قد أخلوا المكان الذي أمروا بلزومه يوم أحد(2) فدخل منه العدو وكان ما كان، وجماع هذه الثلاثة (الصبر والمصابرة والرباط)(3) هو تقوى الله عز وجل إذ لا ينفع شيء منها بدون التقوى، ولا تقوم التقوى إلاَّ على ساق الصبر(4).
ولا شك في أن الاستعاذة بالله عز وجل من هذا الشيطان هي من أقوى الأسلحة التي يحصن بها المسلم نفسه من هذا العدو لأن معناها الاعتصام بالله تعالى واللجوء إليه لدرء شر ذلك الشيطان الرجيم، قال تعالى: {وَقُل رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ}(5).
7‍- جهاد النفس وتزكيتها:
__________
(1) آل عمران /300.
(2) يشير ابن القيم بذلك إلى موقف الرماة في غزوة أُحُد (انظر في ذلك قسم السيرة ص 300).
(3) انظر صفة الصبر والمصابرة، وكذلك صفة جهاد العدو في مظانهما في هذه الموسوعة.
(4) الداء والدواء ص 179 - 180 (باختصار وتصرف)، وقد أفاض - رحمه الله في وصف المعركة بين الإنسان والشيطان وصوّر التقاء الجيشين وكشف عن كيفية تحصين ثغور العين والأذن واللسان.
(5) المؤمنون/97 - 98، وانظر صفات: الاستعاذة والفتنة والغي والإغواء.

(1/76)


اعلم أن النفس مجبولة على اتباع الشهوات ولا تزال على ذلك إلا أن يبهرها نور الإيمان، يقول الله تعالى في سورة يوسف عليه السلام {وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(1).
فلا يزال المؤمن طول عمره في مجاهدة نفسه الأمارة بالسوء باستنزال نور رحمة الله، فكلما هاجت داعية نفسه إلى شهوات جسدية أو أهواء نفسية محرمة لجأ إلى الله وتذكر جلال الله وعظمته وما أعد للمطيعين من ثواب وللعصاة من عذاب فانقدح من قلبه وعقله خاطر يدمغ خاطر الباطل فيصير كأن لم يكن شيئا مذكورا. أما تزكية النفس فيعني التطهر من الأدناس والسمو عن النقائص، وهي بذلك تأخذ عند الله حظها من الرضوان وعند الناس حظها من الكرامة وقد وعد الله عز وجل بالفلاح من زكَّى نفسه فقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}(2)، وقال عز من قائل: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}(3)، وَقَال جل من قائل: {قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}(4)، وقال سبحانه: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا}(5)، يقول ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: جعل المولى سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو أزكى للنفس وبيّن أن ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش والظلم والكذب ونحوها(6).
رابعًا: تعامل المسلم المبتلى بالطاعات:
__________
(1) يوسف/53.
(2) الشمس/9.
(3) الأعلى/14 - 15.
(4) النور/30.
(5) النور/21.
(6) الفتاوى 10/199 .

(1/77)


أصل الابتلاء بالطاعة هو تقلد الإنسان عهدة التكليف بالأمانة، يقول الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً}(1). وبقبول هذه العهدة وحملها يتعرض الإنسان للثواب إن أطاع، وللعقاب إن عصى، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه {وَلَنْ تَجِد َ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً}(2).
قد يظن الطائع أنه بمنأى عن الاختبار أو الابتلاء الذي يتعرَّض له غيره من العصاة، وهذا اعتقاد خاطئ لأن الإنسان كما أخبرنا رسول الله
J قد يعمل بعمل أهل الجنة حتى يكون ما بينه وبينها إلاَّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها(3)، وهنا أيضًا نجد مجموعة من الخطوات لابد أن يتحلَّى بها الطائعون من أهمها:
1‍الخطوة الأولى: أن يعلم يقينًا أن الطاعة هي من توفيق الله عز وجل وبمشيئته، ولو شاء سلبها منه، وعليه أن يردد دائما قول الله: {وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللهُ}(4).
2‍الخطوة الثانية: أن يتحلى بالخوف من الله عز وجل وأن يرجوه قبول طاعاته، فقد كان السلف رضوان الله عليهم - كما أخبر الحسن البصري - قد عملوا بالطاعات، واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إيمانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا(5).
3‍الخطوة الثالثة: ألاَّ يأمن الطائع مكر الله تعالى فينقلب بهذا الأمن من العصاة وهو لا يدري، وقد كان
J يكثر من الدعاء: [يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ](6).
__________
(1) الأحزاب/72.
(2) الأحزاب/62.
(3) انظر صفة الأمن من المكر وقد ذكرنا هذا الحديث وغيره هناك، فارجع إليه
(4) الأعراف/43.
(5) انظر الأثر رقم (10) في صفة الطاعة.
(6) انظر صفة الأمن من المكر جـ9، ص 400 عمود 2.

(1/78)


4‍الخطوة الرابعة: ألاَّ يمن بطاعته على الله تعالى، قال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}(1).
5‍الخطوة الخامسة: أن يحذر الوقوع في البدعة فيعبد الله بغير ما أمر أن يُعبد به(2). (انظر صفة الابتداع).
6‍الخطوة السادسة: أن ينأى عن التطرُّف والتشدُّد في أمر الدين فإنه لن يشاد الدين أحد إلاَّ غلبه(3). (انظر صفتي الغلو والتعسير).
7‍الخطوة السابعة: أن يعلم أن هناك عدوًّا هو الشيطان يتربَّص به الدوائر ويريد الإيقاع به، وأنه قد يدخل عليه من باب الطاعة فيجعله مغترًّا بها، متكبرًا على غيره من العصاة، جاعلاً نفسه في مكانة فوقهم (انظر صفة الغي والإغواء).
وبعد..
__________
(1) الحجرات/17.
(2) انظر صفة الابتداع.
(3) الحشر/7.

(1/79)


فهذه المحاولة المتواضعة للكشف عن علاقة الإنسان بهذه الحياة تقودنا إلى معرفة الطريق الصحيح للنجاح في الاختبارات التي نعايشها بصفة يومية ونتعرَّض فيها لشتَّى الابتلاءات، وقد تبيّن من خلال هذا الاستعراض أن التحلّي بخُلق الرسول J وقد كان خُلُقه كما وصفته أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - القرآن، حيث كانت حياته الكريمة وسيرته العطرة تجسيدًا حيًّا لما جاء به، وقد أمرنا الله عز وجل باتباعه فيما يأمر أو ينهى عنه: {ومَا أَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}(1). وإذا كنا نرجو الله واليوم والآخر فلنا فيه J الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة، وقد تبيّن من خلال هذا العرض الموجز لدورة الحياة وعلاقة الإنسان بها أن هذه الدنيا ليست هي الغاية الحقيقية للمؤمن الحق، وإنما غايته العظمى في الدار الآخرة، قال الله تعالى: {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ}(2)، وفي الآخرة حيث مستقر الرحمة تجد المؤمن ذا وجه مشرق وضَّاء تعلوه الفرحة ويملؤه البشر {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ}(3). هذه الوجوه لا تخفى على أحد لأنها مجللة بنضرة النعيم الذي أعده الله للأبرار، قال تعالى: {إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}(4).
__________
(1) الحشر/7.
(2) النحل/30.
(3) عبس/38 - 39.
(4) المطففين/22 - 26.

(1/80)


ومن هنا فقد وفقنا الله عز وجل فأسمينا هذه الموسوعة (نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم J) وفي هذا رجاء بشارة لمن يتبع الرسول الكريم ويتحلى بأخلاقه فهو الذي جاء ليزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة لنكون من أصحاب (نضرة النعيم) في الآخرة، أي أن المتمسك بالأخلاق والآداب التي جاءت في موسوعة (نضرة النعيم) في الدنيا سيكون إن شاء الله تعالى من أصحاب (نضرة النعيم) في الآخرة، ليس هذا فحسب وإنما سيكون قريبًا من الحبيب المصطفى Jومن أحب الناس إليه، وقد جاء في الحديث الصحيح: [إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِليَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاَقًا] (1).
وختامًا فإنني أدعو الله عز وجل أن يبارك في هذه الموسوعة وأن يجعلها فاتحة خير لكل من يقرؤها وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبدالرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن ملُّوح…
جدة - المملكة العربية السعودية …
في العشرين من شعبان سنة 1418هـ
الموافق 21‍من ديسمبر سنة 1997‍م…
__________
(1) انظر صفة حُسن الخُلُق، حديث رقم 9، وقد خرَّجناه هناك.

============

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتاب:الزكاة و كتاب الرغبة والترغيب {موسوعة نضرة النعيم}

     1.كتاب : الزكاة الزكاة الزكاة لغةً: أَصْلُ الْمَادَّةِ يَدُلُّ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ، ...