اللهم إني أسألك ان

 سبحانك وبحمدك وأستغفرك أنت الله الشافي الكافي الرحمن الرحيم الغفار الغفور القادر القدير المقتدر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور... الواحد الأحد الواجد الماجد الملك المغيث لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ..لك الملك ولك الحمد وأنت علي كل شيئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بك وأستغفرك اللهم بحق أن لك هذه الأسماء وكل الأسماء الحسني وحق إسمك الأعظم الذي تعلمه ولا أعلمه أسألك أن تَشفني شفاءا لا يُغادر سقما وأن تَكفني كل همي وتفرج كل كربي وتكشف البأساء والضراء عني وأن تتولي أمري وتغفر لي ذنبي وأن تشرح لي صدري وأن تُيسر لي أمري وأن تحلل عُقْدَةً  من لساني يفقهوا قولي وأن تغنني بفضلك عمن سواك اللهم أصلحني: حالي وبالي وأعتقني في الدارين وخُذ بيدي يا ربي وأخرجني من الظلمات الي النور بفضلك  وأن ترحم وتغفر لوالديَّ ومن مات من اخوتي وان تغفر لهم أجمعين وكل من مات علي الايمان والتوبة اللهم آمين  //اللهم تقبل واستجب//https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

لمن تكون الشفاعة

لمن تكون الشفاعة

 https://thelowofalhak.blogspot.com/2018/11/pdf.html

الخميس، 31 مارس 2022

كتاب : 15 الخصائص التي انفرد بها رسول الله صلي الله عليه وسلم عن أمته {موسوعة النضرة}

 

 كتاب : 15 الخصائص التي انفرد بها

القسم الثاني
الخصائص التي انفرد بها رسول الله
صلي الله عليه وسلم عن أمته
اخْتُصَّ رَسُولُ اللهِ
J بِكَثِيرٍ مِنَ الْخَصَائِصِ وَالأَحْكَامِ دُونَ أُمَّتِهِ تَكْرِيمًا لَهُ وَتَبْجِيلاً، وَقَدْ شَارَكَهُ فِي بَعْضِهَا الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ.
فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ الشِّعْرِ، وَأَكْلُ الصَّدَقَةِ. وَأُبِيحَ لَهُ الْوِصَالُ فِي الصِّيَامِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ. وَاخْتُصَّ بِأَنَّ أَزْوَاجَهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّ رُؤْيَتَهُ فِي الْمَنَامِ حَقٌّ... إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ رَتَّبَ الْعُلَمَاءُ الْكَلاَمَ فِي هَذِهِ الْخَصَائِصِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ:(1)
الأول: مَا حَرُمَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَذَلِكَ تَكْرِمَةٌ لَهُ
J وَحَمْلٌ لَهُ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلاَقِ.
الثَّانِي: مَا أُبِيحَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
الثَّالِث: مَا وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَالْحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِهِ بِهَا زِيَادَةُ الزُّلْفَى وَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ.
الرَّابِعُ: مَا اخْتُصَّ بِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْكَرَامَاتِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَ هَا نَحْنُ نُورِدُ - بِإِذْنِ اللهِ- خُلاَصَةَ مَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ ـ رَحِمَهُمُ اللهُ ـ فِي هَذَا الْبَابِ. وَذَلِكَ بِانْتِقَاءِ طَائِفَةٍ مُخْتَارَةٍ مِنْ خَصَائِصِهِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا عَنْ أُمَّتِهِ وَالَّتِي سَانَدَهَا الدَّلِيلُ الصَّحِيحُ
النَّوْعُ الأَوَّلُ
مَا حَرُمَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ
1‍الصَّدَقَة:
__________
(1) انظر الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي ( ص 8‍‍‍)، وخصائص أفضل المخلوقين لابن الملقن ( ص 6‍‍)، الخصائص الكبرى للسيوطي (2‍/6‍‍‍).

(1/1)


حَرُمَ عَلَى النَّبِيِّ J أَكْلُ الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ J: [إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلاَ لآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ(1) النَّاسِ](2). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ J كَانَ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلاَ يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ](3).
وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ عَامَّةً لاَ فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ صَدَقَةِ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ. فَكِلاَ النَّوْعَيْنِ حَرُمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ
J. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: [نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ](4) .
قَالَ النَّوَوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ
J(5).
وَقَدْ نَصَّ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الصَّدَقَةِ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ
J(6) .
وَالْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّبِيِّ
J، صِيَانَةُ وَتَنْزِيهُ مَنْصِبِهِ الشَّرِيفِ عَنْ أَوْسَاخِ أَمْوَالِ النَّاسِ.
وَأَمَّا دُخُولُ الآلِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا تَبَعًا لانْتِسَابِهِمْ إِلَيْهِ وَتَشْرِيفِهِمْ بِذَلِكَ.
2‍إِمْسَاكُ مَنْ كَرِهَتْ نِكَاحَهُ:
__________
(1) أوساخ الناس: بمعنى أنها تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) فهي كغسالة الأوساخ . انظر شرح النووي على صحيح مسلم (7‍/9‍‍‍).
(2) رواه مسلم برقم (8‍‍‍/2‍‍‍‍).
(3) رواه مسلم برقم (7‍‍‍‍).
(4) انظر فتح الباري (3‍/5‍‍‍).
(5) انظر شرح النووي علء صحيح مسلم(7/176).
(6) انظر الفصول لابن كثير (5‍‍‍). وغاية السول لابن الملقن (7‍‍‍) . وفتح الباري (3‍/5‍‍‍). والخصائص الكبرى للسيوطي (2‍/4‍‍‍) وغير ذلك.

(1/2)


وَمِنْ خَصَائِصِهِ J؛ أَنَّهُ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إِمْسَاكُ مَنِ اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ وَرَغِبَتْ عَنْهُ مِنَ النِّسَاءِ، بِخِلاَفِ غَيْرِهِ مِنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ يُخَيِّر امْرَأَتَهُ فَإِنَّهَا لَوِ اخْتَارَتْ فَرِاقَهُ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا.
وَبُرْهَانُ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: أَنَّ ابْنَةَ الْجونِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ
J وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ باللهِ مِنْكَ فَقَالَ لَهَا: لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ(1).
قَالَ ابْنُ المُلَقِّنِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي خَصَائِصِهِ بَعْدَ إِيرَادِهِ هَذَا الْحَدِيثَ: [وَفُهِمَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهِ نِكَاحُ كُلِّ امْرَأَةٍ كَرِهَتْ صُحْبَتَهُ. وَجَدِيرٌ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ كَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِيذَاءِ:(2) .
3‍نَزْعُ لاَمةِ(3) الْحَرْبِ:
وَمِمَّا حَرُمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ
J وَكَذَلِكَ إِخْوَانُهُ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ - دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ - أَنَّهُ إِذَا لَبِسَ لاَمَةَ الْحَرْبِ وَعَزَمَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ أَن يَنْزِعَهَا وَيَقْلَعَهَا حَتَّى يَلْقَى الْعَدُوَّ وَيُقَاتِلَ.
__________
(1) رواه البخاري - انظر الفتح 9(5245)..
(2) انظر خصائص أفضل المخلوفين لابن الملقن(ص222).
(3) لامة: قال الجوهري في الصحاح: اللأم جمع لامة وهي الدرع . وتجمع أيضا على لؤم مثل نفر على غير قياس كأنه جمع لؤمة . واستلأم الرجل أي لبس اللامة. أ.هـ ولامة الحرب: أداتها . ويقال للسيف لامة وللرمح لامة وإنما سمي لامة لأنها تلائم الجسم وتلازمه . انظر لسان العرب (2‍‍(2‍‍‍).

(1/3)


وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِاللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ J قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: [رأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ وَرَأَيْتُ بَقَرًا مُنَحَّرَةً فَأَوَّلْتُ أَنَّ الدِّرْعَ الْحَصِينَةَ الْمَدِينَةُ وَأَنَّ الْبَقَرَ هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ. قَالَ فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: لَوْ أَنَّا أَقَمْنَا بِالْمَدِينَةِ فَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْنَا فِيهَا قَاتَلْنَاهُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ، وَاللهِ مَا دَخَلَ عَلَيْنَا فِيهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَيْفَ يَدْخُلُ عَلَيْنَا فِيهَا فِي الإِسْلاَمِ. فَقَالَ شَأْنَكُمْ إِذا قَالَ فَلَبِسَ لأْمَتَهُ قَالَ فَقَالَتِ الأَنْصارُ رَدَدْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ J رَأْيَهُ فَجَاءُوا فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللهِ، شَأْنَكَ إِذًا فَقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لأْمَتَهُ أَن يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ(1) .
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: قَالَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا: إِنَّ ذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ(2) .
4‍خَائِنَةُ الأَعْيُنِ:
خَائِنَةُ الأَعْيُنِ هِيَ الإِيمَاءُ إِلَى مُبَاحٍ مِنْ قَتْلِ أَوْ ضَرْبٍ عَلَى خِلاَفِ مَا يَظْهَرُ وَيُشْعِرُ بِهِ الْحَالُ، وَلاَ يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ إِلاَّ فِي مَحْظُورٍ. قَالَهُ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ(3) .
__________
(1) رواه الإمام أحمد (3‍/1‍‍‍). وابن سعد في الطبقات الكبرى (2/5‍‍) . والدارمي برقم (5‍‍‍‍) . قال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح انظر الفتح (3‍‍/3‍‍‍). ورواه البخاري معلقا انظر الفتح (3‍‍/1‍‍‍). وأصل القصة في البخاري - انظر الفتح 2‍‍(5‍‍‍‍). ومسلم برقم (2‍‍‍‍).
(2) انظر الفصول ( ص 8‍‍‍).
(3) انظر الخصائص الكبرى للسيوطي (2‍/5‍‍‍).

(1/4)


وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: [هُوَ أَنْ يُضْمِرَ فِي قَلْبِهِ غَيْرَ مَا يُظْهِرُهُ لِلنَّاسِ فَإِذَا كَفَّ لِسَانَهُ وَأَوْمَأَ بِعَيْنِهِ إِلَى ذَلِكَ فَقَدْ خَانَ وَقَدْ كَانَ ظُهُورُ تِلْكَ الْخِيَانَةِ مِنْ قَبِيلِ عَيْنِهِ فَسُمِّيَتْ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ(1).
فَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللهِ
J أَن يُومِئَ بِطَرْفِهِ خِلاَفَ مَا يُظْهِرُ كَلاَمُهُ.
وَمُسْتَنَدُ هَذَا قِصَّةُ عَبْدِاللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، حَيْثُ كَانَ رَسُولُ اللهِ
J قَدْ أَهْدَرَ دَمَهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَهْدَرَ مِنَ الدِّمَاءِ فاخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَخِيهِ مِنَ الرَّضاعَةِ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللهِ J النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ جَاءَ بِهِ عُثْمَانُ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ J فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، بَايِعْ عَبْدَاللهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، ثَلاَثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلاَثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: [أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ، يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟ فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللهِ مَا فِي نَفْسِكَ؟ أَلاَ أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ قَالَ: [إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ](2).
5‍تَعَلُّمُ الْكِتَابَةِ:
__________
(1) انظر حاشية السندي على سنن النسائي (7‍/6‍‍‍).
(2) رواه أبو داود برقم (9‍‍‍‍) . والنسائي (7‍/5‍‍‍، 6‍‍‍)0‍والحاكم (3‍/5‍‍) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي . ورواه البيهقي في السنن الكبرى (7‍/0‍‍). قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير: إسناده صالح .انظر التلخيص (3‍/0‍‍‍).

(1/5)


قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}(1) .
فَقَدْ لَبِثَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ عُمُرًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ لاَ يَقْرَأُ كِتَابًا وَلاَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ بَلْ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ يَعْرِفُ أَنَّهُ رَجُلٌ أُمِّيٌّ لاَ يَقْرَأُ وَلاَ يَكْتُبُ. وَهَذِهِ صِفَتُهُ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ}(2) .
فَهَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ
J دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ لاَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَلاَ يُعَانِيهَا وَلاَ أَهْلَهَا بِقَصْدِ التَّعَلُّمِ وَلاَ يَخُطُّ سَطْرًا وَلاَ حَرْفًا بِيَدِهِ بَلْ كَانَ لَهُ كُتَّابٌّ يَكْتُبُونَ بَيْنَ يَدِهِ الْوَحْيَ وَالرَّسَائِلَ إِلَى الأَقَالِيمِ. وَهَذَا مِنْ أَعْلاَمِ نُبُوَّتِهِ لِئَلاَّ يَرْتَابَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ فَيَقُولُ إِنَّمَا تَعَلَّمَ هَذَا الْقُرْآنَ مِنْ كُتُبٍ قَبْلِهِ مَأْثُورَةٍ عَنِ الأَنْبِيَاءِ.
6‍تَعَلُّمُ الشِّعْرِ:
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}(3) .
__________
(1) سورة العنكبوت: آية (8‍‍).
(2) سورة الأعراف: آية (7‍‍‍).
(3) سورة ي س: آية (9‍‍).

(1/6)


فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ J عَالِمًا بِالشِّعْرِ وَأَصْنَافِهِ وَأَعَارِيضِهِ وَقَوَافِيهِ وَلَمْ يَكُنْ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ بِالاتِّفَاقِ وَجَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ عَلَمًا مِنْ أَعْلاَمِ نُبُوَّتِهِ J لِئَلاَّ تَدْخُلَ الشُّبْهَةُ عَلَى مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ فَيَظُنُّوا أَنَّهُ قَوِيَ عَلَى الْقُرآنِ بِمَا فِي طَبْعِهِ مِنَ الْقُوَّةِ فِي الشِّعْرِ.
وَالأَدِلَّةُ عَلَى عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِالشِّعْرِ وَعَدَمِ مَيْلِهِ إِلَيْهِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا تَشَاوَرَتْ فِيمَا يَقُولُونَ لِلْعَرَبِ فِي رَسُولِ اللهِ
J إِذَا قَدِمُوا عَلَيْهِمُ الْمَوْسِمَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَقُولُ إِنَّهُ شَاعِرٌ. فَقَالَ أَهْلُ الْفِطْنَةِ مِنْهُمْ: وَاللهِ لَتُكَذِّبَنَّكُمُ الْعَرَبُ، فَإِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ أَصْنَافَ الشِّعْرِ فَوَاللهِ مَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْهَا وَمَا قَوْلُهُ بِشِعْرٍ.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ عَلَى لِسَانِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ مَنِ الشِّعْرِ الْقَلِيلِ، كَقَوْلِهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ رَاكِبٌ بَغْلَتَهُ يُقَدِّمُ بِهَا نُحُورَ الْعَدُوِّ.
أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ
……أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ(1)
وَكَقَوْلِهِ لَمَّا أَصَابَهُ حَجَرٌ وَهُوَ يَمْشِي فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ الشَّرِيفَةُ:
هَلْ أَنْتِ إِلاَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ
وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ(2)
فَكُلُّ هَذَا وَأَمْثَالُهُ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْهُ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِوَزْنِ الشِّعْرَ بَلْ جَرَى عَلَى اللِّسَانِ مَنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي
مَا أُبِيحَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ
1‍الوِصَالُ فِي الصَّوْمِ:
__________
(1) رواه البخاري - انظر الفتح 7‍(6‍‍‍‍) . ومسلم برقم (6‍‍‍‍).
(2) رواه البخاري - انظر الفتح 0‍‍(6‍‍‍‍) . ومسلم برقم (6‍‍‍‍).

(1/7)


بَعَثَ اللهُ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا J وَسَكَبَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَفِي خُلُقِهِ مِنَ الإِينَاسِ وَالْبِرِّ وَفِي طَبْعِهِ مِنَ السُّهُولَةِ وَالرِّفْقِ وَفِي يَدِهِ مِنَ السَّخَاوَةِ وَالنَّدَى مَا جَعَلَهُ أَزْكَى عِبَادِ اللهِ رَحْمَةً وَأَوْسَعَهُمْ عَاطِفَةً وأَرْحَبَهُمْ صَدْرًا.
قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}(1) .
وَقَالَ تَعَالَى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيِهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}(2).
فَجَاءَتْ شَرِيعَتُهُ مَبْنِيَّةً عَلَى التَّيْسِيرِ وَالسُّهُولَةِ وَالتَّخْفِيفِ وَالرَّحْمَةِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ وَالآصَارِ وَالأَغْلاَلِ مَا يُلاَئِمُ اخْتِلاَفَ الأَجْيَالِ وَحَاجَاتِ الْعُصُورِ وَشَتَّى الْبِقَاعِ.
فَمِنْ ذَلِكَ نَهْيُهُ
J أُمَّتَهُ عَنْ مُوَاصَلَةِ صَوْمِ يَوْمَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ غَيْرِ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ بَيْنَهُمَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَحُصُولِ الْمَفْسَدَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْوِصَالِ وَهِيَ الْمَلَلُ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالتَّعَرُّضُ لِلتَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ وَظَائِفِ الدِّينِ.
بَيْنَمَا كَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا لَهُ
J خُصُوصِيَّةً لَهُ دُونَ أُمَّتِهِ.
- فَعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ عَنِ النَّبِيِّ
J قَالَ: [لاَ تُواصِلُوا]. قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: [لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى](3) .
__________
(1) سورة الأنبياء: آية (7‍‍‍).
(2) سورة التوبة: آية (8‍‍‍).
(3) رواه البخاري - انظر الفتح 4‍(1‍‍‍‍). ومسلم برقم (2‍‍‍‍) بمعناه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .

(1/8)


- وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-؛ قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللهِ J عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ. فَقَالُوا: إِنَّكَ تُواصِلُ. قَالَ: [إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي(1) وَيَسْقِينِ](2) .
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَاسْتُدِلَّ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْوِصَالَ مِنْ خَصَائِصِهِ
J. وَعَلَى أَنَّ غَيْرَهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إِلاَّ مَا وَقَعَ فِيهِ التَّرْخِيصُ مِنَ الإِذْنِ فِيهِ إِلَى السَّحَرِ](3) .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: الْوِصَالُ مِنَ الْخَصَائِصِ الَّتِي أُبِيحَتْ لِرَسُولِ اللهِ
J وُحُرِّمَتْ عَلَى الأُمَّةِ](4) .
2‍الزَّوَاجُ مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ وَلاَ شُهُودٍ:
__________
(1) يطعمني ربي ويسقين: قال النووي رحمه الله: معناه يجعل الله تعالى فيَّ قوة الطاعم الشارب، وقيل هو على ظاهره وأنه يطعم من طعام الجنة كرامة له، والصحيح الأول لأنه لو أكل حقيقة لم يكن مواصلاً .انظر شرح النووي على صحيح مسلم(7‍/2‍‍‍، 3‍‍‍)
(2) رواه البخاري - انظر الفتح 4‍(4‍‍‍‍) . ومسلم (5‍‍‍‍).
(3) انظر فتح الباري (4‍/0‍‍‍).
(4) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (7‍/2‍‍‍)

(1/9)


عُنِيَ الإِسْلاَمُ عِنَايَةً كَبِيرَةً بِالأُسْرَةِ، فَالأُسْرَةُ هِيَ أَسَاسُ كِيَانِ الْمُجْتَمَعِ الإِسْلاَمِيِّ مِنْ مَجْمُوعِهَا يَتَكَوَّنُ الْمُجْتَمَعُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الأُسْرَةَ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْمُجْتَمَعُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْمُجْتَمَعُ وَحَيْثُ إِنَّ الزَّوَاجَ هُوَ السَّبِيلُ الْمَشْرُوعُ لِتَكْوِينِ الأُسْرَةِ وَبَقَاءِ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ، فَقَدْ رَغَّبَ فِيهِ الإِسْلاَمُ وَحَثَّ عَلَيْهِ وَشَرَعَ لَهُ أَحْكَامًا مُعَيَّنَةً تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِهَذِهِ الْعَلاَقَةِ عَلاَقَةِ الزَّوَاجِ.

(1/10)


وَمِنْ هَذِهِ الأَحْكَامِ، مُوافَقَةُ وَلِيِّ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوَاجِهَا وَهُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ. قَالَ النَّبِيُّ J: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ](1) فَعَقْدُ النِّكَاحِ لاَ يُهِمُّ الْمَرْأَةَ وَحْدَهَا بَلْ يُهِمُّ وَلِيَّهَا وَعَائِلَتَهَا، وَالضَّرَرُ الَّذِي يَلْحَقُهَا بِسَبَبِ سُوءِ اخْتَيارِهَا يَنْسَحِبُ إِلَى عَائِلَتِهَا وَعَلَى رَأْسِهِمْ وَلِيُّهَا كَالأَبِ والأَخِ. وَلِهَذَا فَلاَبُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْوَلِيِّ رَأْيٌ مَسْمُوعٌ فِي زَوَاجِهَا، وَكَمَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ مُوَافَقَةُ وَلِيِّ الْمَرْأَةِ، كَذَلِكَ يُشْتَرَطُ حُضُورُ الشُّهُودِ عِنْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ لِكَيْ يُعْرَفَ الْعَقْدُ وَيَشِيعَ وَتُحْفَظَ حُقُوقُ الْمَرْأَةِ، وَيُؤْمَنَ الْجُحُودُ. وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ J: لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيِّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ](2) .
وَقَدِ انْفَرَدَ رَسُولُ اللهِ
J عَنْ أُمَّتِهِ فِي هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ؛ فَأَبَاحَ اللهُ تَعَالَى لَهُ الزَّوَاجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلاَ شُهُودٍ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ فِي حَقِّهِ J.
__________
(1) رواه أبو داود برقم (5‍‍‍‍). والترمذي برقم (1‍‍‍‍). وابن ماجه برقم (1‍‍‍‍). والإمام أحمد في المسند (4‍/3‍‍‍، 8‍‍‍). الحاكم (2‍/9‍‍‍). والبيهقي. (7‍/7‍‍‍). وصححه الألباني انظر صحيح الجامع الصغير، رقم (1‍‍‍‍). وعبدالقادر الأرناؤوط. انظر تعليقه على جامع الأصول(1‍‍/7‍‍‍)
(2) رواه البيهقي في السنن الكبرى (7‍/5‍‍‍). والطبراني في الكبير (8‍‍/2‍‍‍) برقم (9‍‍‍). والدارقطني في سننه (3‍/5‍‍‍). وصححه الألباني انظر إرواء الغليل (6‍/8‍‍‍‍‍‍)، وصحيح الجامع الصغير، رقم (3‍‍‍‍، 4‍‍‍‍)

(1/11)


قَالَ الْعُلَمَاءُ: [إِنَّمَا اعْتُبِرَ الْوَلِيُّ فِي نِكَاحِ الأَمَةِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْكَفَاءَةِ، وَهُوَ J فَوْقَ الأَكْفَاءِ، وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ الشُّهُودُ لأَمْنِ الْجُحُودِ وَهُوَ J لاَ يَجْحَدُ.
وَبُرْهَانُ هَذَا الْحُكْمِ فِي حَقِّهِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّهَا كَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيّ
J وَتَقُولُ: [زَوَّجَكُنَّ أَهْلِيكُنَّ وَزَوَّجَنِيَ اللهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ](1) .
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيٌّ فِي شَرْحِهِ عَلَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ
J عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أَكْثَرَ أَوْ أَفْضَلَ مِمَّا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ].
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: [يُحْتَمَلُ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ الشُّكْرُ لِنِعْمَةِ اللهِ فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى زَوَّجَهُ إِيَّاهَا بِالْوَحْيِ لاَ بِوَلِيٍّ وَشُهُودٍ بِخِلاَفِ غَيْرِهَا. وَمَذْهَبُنَا الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا صِحَّةُ نِكَاحِهِ
J بِلاَ وَلِيٍّ وَلاَ شُهُودٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ فِي حَقِّهِ J](2) .
3‍الجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ:
__________
(1) رواه البخاري - انظر الفتح 3‍‍(0‍‍‍‍).
(2) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (9‍/9‍‍‍، 0‍‍‍).

(1/12)


شَرَعَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعِبَادِهِ النِّكَاحَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ وَالْحِكَمِ الْجَسِيمَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ: الإِبْقَاءُ عَلَى النَّوْعِ الإِنْسَانِيِّ، وَالتَّحَصُّنُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَكَسْرُ التَّوَقَانِ وَدَفْعُ غَوَائِلِ الشَّهْوَةِ، وَغَضُّ الْبَصَرِ وَحِفْظُ الْفَرْجِ، وَتَرْوِيحُ النَّفْسِ وَإِينَاسُهَا بِمَا أَبَاحَهُ اللهُ لِتَقْوَى وَتَنْشَطَ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَمُجَاهَدَةُ النَّفْسِ وَرِيَاضَتُهَا بِالرِّعَايَةِ وَالْوِلاَيَةِ وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِ الأَهْلِ، وَالاِجْتِهَادُ فِي كَسْبِ الْحَلاَلِ، وَالْعِنَايَةُ بِتَرْبِيَةِ الأَوْلاَدِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالْحِكَمِ والأَسْرَارِ.
وَقَدْ جَاءَتِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةُ مُبِيحَةً الْجَمْعَ بَيْنَ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَمُحَرِّمَةً الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ لآحَادِ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}(1) .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ امْتِنَانٍ وَإِبَاحَةٍ فَلَوْ كَانَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ لَذَكَرَهُ](2)
__________
(1) سورة النساء: آية (2‍، 3‍).
(2) انظر تفسير ابن كثير (1‍/0‍‍‍).

(1/13)


وَلَمَّا أَسْلَمَ غَيْلاَنُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ J: [اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا](1).
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: [دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ
J الْمُبَيِّنَةُ عَنِ اللهِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لأَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَكْثَرَ مِنَ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ].
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِي مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ](2) . فَهَذَا الْحُكْمُ مِنْ خَصَائِصِهِ
J الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأُمَّةِ، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ تُوُفِّيَ J عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ؛ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ الْقُرَشِيَّةِ، وَعَائِشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الْقُرَشِيَّةِ، وَأُمِّ سَلَمَةَ هِنْدٍ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ الْقُرَشِيَّةِ، وَحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ الْقُرَشِيَّةِ، وَزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الأَسَدِيَّةِ، وَجُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيَّةِ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ رَمْلَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ الْقُرَشِيَّةِ، وَصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ النَّضْيرِيَّةِ، وَمَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْهِلاَلِيَّةِ.
فَائِدَةٌ: وَالْحِكْمَةُ فِي اسْتَكْثَارِهِ
J مِنَ النِّسَاءِ:
__________
(1) رواه أبو داود برقم (1‍‍‍‍) .والترمذي برقم (8‍‍‍‍). وابن ماجه برقم (3‍‍‍‍) الإمام أحمد في مسنده مطولا (2‍/4‍‍) . قال الحافظ ابن كثير: إسناد أحمد ثقات على شرط الشيخين . انظر تفسير ابن كثير (1‍/1‍‍‍). وقال الحافظ الهيثمي: رواه أحمد والبزار وأبو يعلى ورجال أحمد رجال الصحيح .. انظر مجمع الزوائد (4‍/3‍‍‍).
(2) انظر تفسير ابن كثير (1‍/0‍‍‍).

(1/14)


قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: وَالَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَلاَمِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْحِكْمَةِ فِي اسْتِكْثَارِهِ مِنَ النِّسَاءِ عِدَّةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكْثُرَ مَنْ يُشَاهِدُ أَحْوَالَهُ الْبَاطِنَةَ فَيَنْتَفِي عَنْهُ مَا يَظُنُّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَنَّهُ سَاحِرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. ثَانِيهَا: لِتَتَشَرَّفَ بِهِ قَبَائِلُ الْعَرَبِ بِمُصَاهَرَتِهِ فِيهِمْ. ثَالِثُهَا: لِلزِّيَادَةِ فِي تَآلُفِهِمْ بِذَلِكَ. رَابِعُهَا: لِلزِّيَادَةِ فِي التَّكْلِيفِ حَيْثُ كُلِّفَ أَنْ لاَ يَشْغَلَهُ مَا حُبِّبَ إِلَيْهِ مِنْهُنَّ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّبْلِيغِ. خَامِسُهَا: لِتَكْثُرَ عَشِيرَتُهُ مِنْ جِهَةِ نِسَائِهِ فَتَزْدَادَ أَعْوَانُهُ عَلَى مَنْ يُحَارِبُهُ. سَادِسُهَا: نَقْلُ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ، لأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَقَعُ مَعَ الزَّوْجَةِ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَخْتَفِي مِثْلُهُ. سَابِعُهَا: الاطِّلاَعُ عَلَى مَحَاسِنِ أَخْلاَقِهِ الْبَاطِنَةِ، فَقَدْ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأَبُوهَا إِذْ ذَاكَ يُعَادِيهِ، وَصَفِيَّةَ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهَا وَعَمِّهَا وَزَوْجِهَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَكْمَلَ الْخَلْقِ فِي خَلْقِهِ لَنَفَرْنَ مِنْهُ، بَلِ الَّذِي وَقَعَ أَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِنَّ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِهِنَّ. ثَامِنُهَا: تَحْصِينُهُنَّ وَالْقِيَامُ بِحُقُوقِهِنَّ](1).
4‍بَدْءُ الْقِتَالِ بِالْبَلَدِ الأَمِينِ:
__________
(1) انظر فتح الباري (9‍/7‍‍) بتصرف يسير.

(1/15)


شَرَّفَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أُمَّ الْقُرَى الْبَلَدَ الْحَرَامَ وَفَضَّلَهَا وَاخْتَارَهَا وَخَصَّهَا بِخَصَائِصَ وَمَزَايَا لَيْسَتْ لِغَيْرِهَا مِنْ بِقَاعِ الدُّنْيَا فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ بِهَا بَيْتَهُ الْعَتِيقَ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لِعِبَادَتِهِمْ وَنُسُكِهِمْ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَصَلُّونَ إِلَيْهِ وَيَعْتَكِفُونَ عِنْدَهُ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا. وَجَعَلَهُ مَثَابَةً لِلنَّاسِ يَثُوبُونَ إِلَيْهِ عَلَى تَعَاقُبِ الأَعْوَامِ مِنْ جَمِيعِ الأَقْطَارِ وَلاَ يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَرًا بَلْ كُلَّمَا ازْدَادُوا لَهُ زِيَارَةً ازْدَادُوا لَهُ اشْتِيَاقًا.
لاَ يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْهَا حِينَ يَنْظُرُهَا
……حَتَّى يعُودَ إِلَيْهَا الطَّرْفُ مُشْتَاقَا
فَلِلَّهِ كَمْ أُنْفِقَ فِي حُبِّهَا مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَرْوَاحِ وَرَضِيَ الْمُحِبُّ بِمُفَارَقَةِ الأَهْلِ وَالأَحْبَابِ والأَوْطَانِ. جَعَلَ عَرَصَاتِهَا مَنَاسِكَ لِعِبَادِهِ فَرَضَ عَلَيْهِمْ قَصْدَهَا وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ فُرُوضِ الإِسْلاَمِ. وَأَخْبَرَ أَنَّهَا أُمُّ الْقُرَى فَالْقُرَى كُلُّهَا تَبَعٌ لَهَا وَفَرْعٌ عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهَا فِي الْقُرَى عَدِيلٌ(1) . إِنَّهَا بَلَدٌ حَرَامٌ حَرَّمَهَا اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فَالْقِتَالُ فِيهَا لاَ يَحِلُّ وَلاَ يَجُوزُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهَا.
__________
(1) زاد المعاد(1‍/6‍‍‍‍) باختصار وتصرف.

(1/16)


وَقَدْ أَبَاحَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ J مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةَ عَامَ الْفَتْحِ سَاعَةً مِنْ نَهَار فَدَخَلَهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ وَقَتلَ مِنْ أَهْلِهَا يَوْمَئِذٍ نَحْوَ عِشْرِينَ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ J. وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ J فِي خُطْبَتِهِ صَبِيحَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ حَيْثُ قَالَ:
إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ. فَلاَ يَحِلُّ لامْرئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلاَ يُعْضَدُ(1) بِهَا شَجَرَةٌ. فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ
J فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأَذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ(2) .
النَّوْعُ الثَّالِث
مَا وَجَبَ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ
وَالْحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِهِ بِهَا زِيَادَةُ الزُّلْفَى وَرَفْعُ الدَّرَجَاتِ. وَهَذَا الْقِسْمُ مَثَّلَ لَهُ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللهُ بِأَمْثِلَةٍ عَدِيدَةٍ مِنْهَا اخْتِصَاصُهُ بِوُجُوبِ صَلاَةِ الضُّحَى وَقِيَامِ اللَّيْلِ وَالسِّوَاكِ وَالأُضْحِيَةِ وَوُجُوبِ مُشَاوَرَةِ أَصْحَابِهِ..] وَلَكِنَّ أَمْثِلَةَ هَذَا النَّوْعِ أَوْ أكْثَرَهَا لَمْ يَحْصُلْ عَلَيْهَا اتِّفَاقٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ لِتَعَدُّدِ الأَدِلَّةِ الْمُثْبِتَةِ وَالنَّافِيَةِ.
__________
(1) لا يعضد: قال أهل اللغة: العضد القطع.
(2) رواه البخاري- انظر الفتح 4‍(2‍‍‍‍). ومسلم (4‍‍‍‍).

(1/17)


وَلِهَذَا لَمْ نَتَعَرَّضْ لِمَسَائِلِ هَذَا النَّوْعِ بَحْثًا وَدِرَاسَةً بَلْ أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِ أَمْثِلَتِهِ مِمَّا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ كَصَلاَةِ الضُّحَى وَقِيَامِ اللَّيْلِ.. إِلَخ. وَمَنْ أَرَادَ الزِّيَادَةَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى مَظَانِّ ذَلِكَ.(1)
النَّوْعُ الرَّابِع
مَا اخْتُصَّ بِهِ عَنْ أُمَّتِهِ مِنَ الْفَضَائِلِ وَالكَرَامَاتِ
1‍عِصْمَةٌ فِي الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ:
كَانَ
J مَعْصُومًا فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ لاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَلاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ بَلْ يَنْزِلُ الْوَحْيُ بِتَصْحِيحِهِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}(2) .
وَهَذَا مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ هُوَ والأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ. بِخِلاَفِ سَائِرِ أُمَّتِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ مُنْفَرِدًا. أَمَّا إِذَا اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فَلاَ يَرِدُ عَلَيْهِمُ الْخَطَأُ لِقَوْلِهِ
J: [إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلاَلَةٍ(3).
2‍مَنِ اسْتَهَانَ بِهِ أَوْ سَبَّهُ كَفَرَ:
__________
(1) انظر الفصول لابن كثير (ص 7‍‍‍‍‍‍)، خصائص أفضل المخلوقين لابن الملقن ( ص 2‍‍‍‍‍‍) رسالة ماجستير، والخصائص الكبرى للسيوطي (2‍/6‍‍‍‍‍‍).
(2) سورة النجم: الآيات (1‍‍).
(3) رواه ابن أبي عاصم في كتابٍ "السنة"، (2‍/1‍)، رقم (9‍‍) من حديث كعب بن عاصم الأشعري ورواية أخرى من حديث أنس بن مالك رضي الله عنهم . وذكر له الشيخ الألباني طرقا ثم قال: فالحديث بمجموع هذه الطرق حسن. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (1‍‍‍‍) . وأيضا صحيح الجامع الصغير برقم (2‍‍‍‍).

(1/18)


تَضَافَرَتِ الأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ مُوَضِّحَةً وَمُجَلِّيَةً مَا يَجِبُ لِرَسُولِ اللهِ J مِنَ الْحُقُوقِ وَمَا يَتَعَيَّنُ لَهُ مِنْ بِرٍّ وَتَوْقِيرٍ وَإِكْرَامٍ وَتَعْظِيمٍ وَمِنْ أَجْلِ هَذَا حَرَّمَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذَاهُ فِي كِتَابِهِ وَأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَى قَتْلِ مُنْتَقِصِهِ وَسَابِّهِ. قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا}(1) .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(2) .
فَكُلُّ مَنِ اسْتَهَانَ بِرَسُولِ اللهِ
J أَوْ سَبَّهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ أَوْ نَسَبِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ أَوْ عَرَّضَ بِهِ أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ السَّبِّ لَهُ أَوِ الإِزْرَاءِ عَلَيْهِ أَوِ التَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِ أَوِ الْغَضِّ مِنْهُ وَالْعَيْبِ لَهُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا.
وَالأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:
__________
(1) سورة الأحزاب آية (7‍‍).
(2) سورة التوبة آية (1‍‍).

(1/19)


- مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ أَنَّ أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ، تَشْتُمُ النَّبِيَّ J، وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلاَ تَنْزَجِرُ . قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ J وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ(1) فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا طِفْلٌ، فَلَطَّخَتْ مَا هُنَاكَ بِالدَّمِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ J فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: [أَنْشُدُ اللهَ رَجُلاً فَعَلَ مَا فَعَلَ، لِي عَلَيْهِ حَقٌّ، إِلاَّ قَامَ فَقَامَ الأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ، وَهُوَ يَتَزَلْزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ J فَقَال0‍يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلاَ تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلاَ تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَتِ الْبَارِحَةُ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ J: أَلاَ اشْهَدُوا: أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ](2) .
__________
(1) قال في [عون المعبود]: المغول سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه . وقيل: حديدة دقيقة لها حد ماض، وقيل: سوط في جوفه سيف دقيق يشده الفاتك على وسطه ليغتال به الناس . انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ( 2‍‍/5‍‍).
(2) سنن أبي داود برقم (1‍‍‍‍) . وسنن النسائي (7‍/7‍‍‍، 8‍‍‍) . وصححه الألباني انظر صحيح سنن أبي داود برقم (6‍‍‍‍)

(1/20)


وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ؛ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ قَالَ:[ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ فَتَغَيَّظَ عَلَى رَجُلٍ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: تَأْذَنُ لِي يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ J: أَضْرِبُ عُنُقَهُ؟ قَالَ: فَأَذْهَبَتْ كَلِمَتِي غَضَبَهُ، فَقَامَ فَدَخَلَ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: مَا الَّذِي قُلْتَ آنِفًا؟ قُلْتُ: ائْذَنْ لِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: أَكُنْتَ فَاعِلاً لَوْ أَمَرْتُكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: لاَ وَاللهِ مَا كَانَتْ لِبَشَرٍ بَعْدَ مُحَمَّدٍ J](1) .
وَأَمَّا الإِجْمَاعُ:
فَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ -رَحِمَهُ اللهُ-:[ أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ
J يُقْتَلُ](2) .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ -رَحِمَهُ اللهُ-:[ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ شَاتِمَ النَّبِيِّ
J الْمُتَنَقِّصَ لَهُ كَافِرٌ وَالْوَعِيدُ جَارٍ عَلَيْهِ بِعَذَابِ اللهِ لَهُ وَحُكْمُهُ عِنْدَ الأُمَّةِ الْقَتْلُ](3) . وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ وَنَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
3‍الكَذِبُ عَلَيْهِ لَيْسَ كَالْكَذِبِ عَلَى غَيْرِهِ:
__________
(1) سنن أبي داود برقم (3‍‍‍‍). والنسائي (7‍/9‍‍‍). وقال ابن تيميه رحمه الله: رواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح.انظر "الصارم المسلول على شاتم الرسول" (ص2‍‍).
(2) الشفا للقاضي عياض (2‍/4‍‍‍)
(3) الشفا للقاضي عياض (2/476).

(1/21)


الْكَذِبُ رَذِيلَةٌ مَحْضَةٌ وَخَصْلَةٌ ذَمِيمَةٌ وَهُوَ مِنْ قَبَائِحِ الذُّنُوبِ وَفَوَاحِشِ الْعُيُوبِ وَأَقْبَحِ الصِّفَاتِ، يَقْلِبُ الْمَوَازِينَ، وَيَمْسَخُ الْحَقَائِقَ وَيُشَوِّهُ وَجْهَ الْجَمَالِ فِي كُلِّ شَيْءٍ يُدَاخِلُهُ وَيُنْبِئُ عَنْ تَغَلْغُلِ الْفَسَادِ فِي نَفْسِ صَاحِبِهِ، وَيَجُرُّ بِهِ إِلَى الْفُجُورِ وَالنِّفَاقِ.
قَالَ
J: [... وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ](1) .
وَقَالَ: [أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: [إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ](2) .
وَمِنْ أَشَدِّ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ وَأَشْنَعِهِ الْكَذِبُ عَلَى اللهِ تَعَالَى أَوِ الْكَذِبُ عَلَى رَسُولِهِ
J لأَنَّهُ افْتِرَاءٌ فِي الدِّينِ، وَتَلاَعُبٌ بِشَرَائِعِ اللهِ لِعِبَادِهِ، وَتَجَرُّؤٌ عَظِيمٌ عَلَى النَّارِ. وَلِهَذَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَغْلِيظِ الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ J، وَأَنَّهُ مِنَ الَكَبَائِرِ وَأَنَّ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ مُتَعَمِّدًا مُسْتَجِيزًا لِذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ.
قَالَ
J:[ إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ](3) .
__________
(1) رواه البخاري - انظر الفتح 0‍‍(4‍‍‍‍). ومسلم برقم (7‍‍‍‍)
(2) رواه البخاري -انظر الفتح 1‍(4‍‍).
(3) ومسلم برقم (8‍‍) رواه البخاري - انظر الفتح 6‍(1‍‍‍‍)

(1/22)


وَقَالَ: [بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسَرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ](1).
وَهَذَا الْمَعْنَى: وَهُوَ تَوَعُّدُ مَنْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ
J بِالنَّارِ. وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَمِنْ بَشَاعَةِ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ وَشَنَاعَتِهَا أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينِ وَأَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ، أَفْتَوْا بِأَنَّ مَنْ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ J تَوْبَتُهُ مَرْدُودَةٌ وَمِنْ ثَمَّ لاَ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، إِلاَّ أَنَّ جَمَاهِيرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلاَفِ قَوْلِهِمْ.
بَيْنَمَا نَجِدُ أَنَّ مَنْ كَذَبَ عَلَى غَيْرِ رَسُولِ اللهِ
J وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إِثْمًا وَفِسْقًا إِلاَّ أَنَّ تَوْبَتَهُ صَحِيحَةٌ بِالإِجْمَاعِ.
4‍رُؤْيَةٌ خَاصَّةٌ:
- عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-؛ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
J يَوْمًا:[ يَا عَائِشُ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلاَمَ. فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لاَ أَرَى](2) .
__________
(1) رواه البخاري - انظر الفتح 3‍(1‍‍‍‍). ومسلم برقم (4‍)
(2) رواه البخاري - انظر الفتح 7‍( 8‍‍‍‍). مسلم برقم (1‍‍/7‍‍‍‍)

(1/23)


- وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ قَالَ: [قَالَ رَسُولُ اللهِ J: [إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لاَ تَسْمَعُونَ. إِنَّ السَّمَاءَ أَطَّتْ(1) وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ. مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاَّ وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا للهِ. واللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا. وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ. وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ(2) تَجْأَرُونَ(3) إِلَى اللهِ](4) .
__________
(1) أطت: في النهاية: الأطيط صوت الأقتاب وأطيط الإبل أصواتها وحنينها. أي إن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطت . وهذا مثل وإيذان بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثم أطيط . وإنما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى . انظر النهاية (1‍/4‍‍).
(2) صعدات: في النهاية: هي الطرق . وهي جمع صعد . وصعد جمع صعيد . كطريق وطرق وطرقات . وقيل: هي جمع صعدة، كظلمة، وهي فناء باب الدار وممر الناس بين يديه .انظر النهاية (3‍/9‍‍)، وجامع الأصول(4‍/3‍‍).
(3) تجأرون: أي ترفعون أصواتكم وتستغيثون
(4) الترمذي برقم (2‍‍‍‍) وقال: حديث حسن غريب. وابن ماجه برقم (0‍‍‍‍). ورواه الإمام أحمد (5‍/3‍‍‍). والحاكم في المستدرك (2‍/0‍‍‍) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأيضا حسنه الألباني - انظر صحيح الجامع الصغير برقم (5‍‍‍)

(1/24)


- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ J يَوْمًا. ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: يَا فُلاَنُ أَلاَ تُحْسِنُ صَلاَتَكَ؟ أَلاَ يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ. إِنِّي واللهِ لأُبْصِرُ مَنْ وَرَائِي(1) كَمَا أُبْصِرُ مَنْ بَيْنَ يَدَيَّ](2) .
- وَعَنْهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
J قَالَ: [هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَا هُنَا؟ فَوَ اللهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكُوعُكُمْ وَلاَ سُجُودُكُمْ. إِنِّي لأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي](3) .
5‍أَجْرُ تَطَوُّعِهِ قَاعِدًا كَتَطَوُّعِهِ قَائِمًا:
شُرِعَتْ صَلاَةُ النَّافِلَةِ لِحِكَمٍ عَظِيمَةٍ وَأَسْرَارٍ مِنْهَا زِيَادَةُ الْحَسَنَاتِ وَرِفْعَةُ الدَّرَجَاتِ، فَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ خَادِمِ رَسُولِ اللهِ
J؛ قَالَ: [كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ J فَآتِيهِ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ: [سَلْنِي] . قُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: [أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟] قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: [فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ](4).
وَمِنْهَا جَبْرُ وَإِكْمَالُ الْفَرِيضَةِ إِنْ نَقَصَتْ.
__________
(1) لأبصر من ورائي: قال النووي ـ رحمه الله ـ: قال العلماء: معناه أن الله تعالى خلق له صلى عليه وسلم إدراكا في قفاه يبصر به من ورائه . وقد انخرقت العادة له صلى عليه وسلم بأكثر من هذا . وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به . قال القاضي: قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وجمهور العلماء على أن هذه الرؤية رؤية بالعين الحقيقية . انظر شرح النووي على صحيح مسلم (4‍/9‍‍‍‍‍‍).
(2) رواه مسلم برقم (3‍‍‍)
(3) رواه البخاري - انظر الفتح 2‍(1‍‍‍). ومسلم برقم(4‍‍‍).
(4) رواه مسلم برقم (9‍‍‍)

(1/25)


- فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ J: [إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاَتُهُ فَإِنْ صَلَحَتْ، فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ، فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْئًا، قَالَ الرَّبُّ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِيَ مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ تَكُونُ سَائِرُ أَعْمَالِهِ عَلَى هَذَا](1) .
هَذَا وَلِصَلاَةِ النَّافِلَةِ آدَابٌ وَأَحْكَامٌ مِنْهَا:
جَوَازُ الْقُعُودِ فِيهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِخِلاَفِ الْفَرِيضَةِ فَمَنْ صَلاَّهَا كَذَلِكَ فَصَلاَتُهُ صَحِيحَةٌ وَلَهُ نِصْفُ ثَوَابِ الْقَائِمِ لِقَوْلِهِ
J: [صَلاَةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلاَةِ الْقَائِمِ](2) .
__________
(1) رواه أبو داود برقم (4‍‍‍)0‍والترمذي برقم (3‍‍‍) وقال: حديث حسن . والنسائي (1‍/2‍‍‍). وابن ماجه برقم (5‍‍‍‍). والحاكم في المستدرك(1‍/2‍‍‍) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. قال الشوكاني: وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد، ورجالها رجال الصحيح كما قال العراقي وصححها ابن القطان - انظر نيل الأوطار (1‍/5‍‍‍). ونقل ابن علان عن الحافظ ابن حجر تصحيحه للحديث . انظر دليل الفالحين (3‍/1‍‍‍).
(2) رواه أبو داود برقم (1‍‍‍). الترمذي برقم (1‍‍‍) وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي (3‍/3‍‍‍، 4‍‍‍). وابن ماجه برقم (0‍‍‍‍) .وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح. ورواه البخاري بمعناه - انظر الفتح 2‍(6‍‍‍‍).

(1/26)


وَهَذَا الْحُكْمُ عَامٌّ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ وَاخْتُصَّ رَسُولُ اللهِ J فِي ذَلِكَ عَنْ أُمَّتِهِ بِأَنْ جُعِلَتْ نَافِلَتُهُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ كَنَافِلَتِهِ قَائِمًا تَشْرِيفًا لَهُ وَتَكْرِيمًا.
- فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ
J قَالَ: [صَلاَةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلاَةِ]. قَالَ فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ: [مَالَكَ يَا عَبْدَاللهِ بْنَ عَمْرٍو [قُلْتُ: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ قُلْتَ: صَلاَةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلاَةِ وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا قَالَ: [أَجَلْ وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ](1) .
قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: ... نَافِلَتُهُ
J قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ ثَوَابُهَا كَثَوابِهِ قَائِمًا وَهُوَ مِنَ الْخَصَائِصِ](2).
6‍لاَ يُوَرَّثُ:
الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ سُفَرَاءُ اللهِ إِلَى عِبَادِهِ وَحَمَلَةُ وَحْيِهِ مُهِمَّتُهُمْ إِبْلاَغُ رِسَالاَتِ اللهِ إِلَى عِبَادِهِ وَالدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ وَإِصْلاَحُ النُّفُوسِ وَتَزْكِيَتُهَا وَتَصْحِيحُ الْفِكْرِ الْمُنْحَرِفِ وَالْعَقَائِدِ الزَّائِفَةِ وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ وَسِيَاسَةُ الأُمَّةِ فَلَمْ تَكُنْ وَظِيفَتُهُمُ اخْتِزَانَ الأَمْوَالِ وَلاَ تَوْرِيثَ التُّرَاثِ.
وَإِنَّمَا وَرَّثُوا عِلْمًا وَشَرْعًا وَبَلاَغًا لِلنَّاسِ فَذَلِكَ مِيرَاثُهُمْ وَهُوَ خَيْرُ مِيرَاثٍ.
__________
(1) رواه مسلم برقم (5‍‍‍)
(2) انظر شرح النووي على صحيح مسلم(6‍/5‍‍)

(1/27)


قَالَ J: [إِنَّ الْْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ](1) .
وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ- دُونَ أُمَّتِهِ أَنَّهُ لاَ يُورَثُ وَأَنَّ مَا تَرَكَهُ صَدَقَةٌ.
قَالَ
J: [لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ](2) .
وَقَالَ: إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لاَ نُورَثُ](3) .
وَقَالَ: [لاَ يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ](4) .
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: [وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَلاَ الْتِفَاتَ إِلَى خُرَافَاتِ الشِّيعَةِ وَالرَّافِضَةِ فَإِنَّ جَهْلَهُمْ قَدْ سَارَتْ بِهِ الرُّكْبَانُ](5) .
__________
(1) رواه أبو داود برقم (1‍‍‍‍)0‍والترمذي برقم (2‍‍‍‍). وابن ماجه برقم (3‍‍‍). والإمام أحمد في المسند (5‍/6‍‍‍) وصححه الألباني. انظر صحيح الجامع الصغير برقم (3‍‍‍‍)
(2) رواه البخاري - انظر الفتح 2‍‍(0‍‍‍‍). ومسلم برقم (8‍‍‍‍)
(3) رواه الإمام أحمد في المسند (2‍/3‍‍‍)، وأصله في البخاري - انظر الفتح 2‍‍(0‍‍‍‍). ومسلم برقم (8‍‍‍‍)
(4) رواه البخاري - انظر الفتح 2‍‍(9‍‍‍‍). ومسلم برقم (0‍‍‍‍).
(5) انظر كتاب الفصول لابن كثير ( ص 5‍‍‍).

(1/28)


قَالَ الْعُلَمَاءُ ـ رَحِمَهُمُ اللهُ ـ: [وَالْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللهُ عَلَيْهِمْ لاَ يُورَثُونَ أَنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَرَثَةِ مَنْ يَتَمَنَّى مَوْتَهُ فَيَهْلِكَ بِذَلِكَ، وَلِئَلاَّ يُظَنَّ بِهِمُ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا وَجَمْعُهَا لِوَارِثِهِمْ فَيَهْلِكَ الظَّانُّ وَيَنْفِرُ النَّاسُ عَنْهُمْ، وَأَنَّ الأَنْبِيَاءَ فِي حُكْمِ الآبَاءِ لأُمَمِهِمْ فَيَكُونُ مِيرَاثُهُمْ لِلْجَمِيعِ].
7‍أَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ:
شَرَّفَ اللهُ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ أَزْوَاجَ نَبِيِّهِ
J وَخَصَّهُنَّ بِخَصَائِصَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِنَّ مِنَ النِّسَاءِ إِكْرَامًا وَإِجْلاَلاً لَعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ J.
وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ جَعَلَهُنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَقَالَ تَعَالَى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}(1) .
وَمَعْنَى هَذِهِ الأُمُومَةِ: الاحْتِرَامُ وَالتَّوْقِيرُ وَالإِكْرَامُ والإِعْظَامُ وَالإِجْلاَلُ وَالطَّاعَةُ وَتَحْرِيمُ الْعُقُوقِ، وَلَكِنْ لاَ تَجُوزُ الْخَلْوَةُ بِهِنَّ، وَلا يَنْتَشِرُ التَّحْرِيمُ إِلَى بَنَاتِهِنَّ وَأَخَواتِهِنَّ بِالإِجْمَاعِ. كَمَا حَرُمَ نِكَاحُهُنَّ عَلَى الرِّجَالِ. قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا}(2) .
__________
(1) سورة الأحزاب آية (6‍).
(2) سورة الأحزاب آية (3‍‍).

(1/29)


وَعَلَى هَذَا انْعَقَدَ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ قَاطِبَةً أَنَّ مَنْ تُوُفِّيَ عَنْهَا رَسُولُ اللهِ J مِنْ أَزْوَاجِهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ تَزَوُّجُهَا مِنْ بَعْدِهِ لأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ.
وَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ
J الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا عَنْ أُمَّتِهِ.
8‍رُؤْيَتُهُ فِي الْمَنَامِ حَقٌّ:
اخْتُصَّ رَسُولُ اللهِ
J بِأَنَّ مَنْ رَآهُ فِي الْمَنَامِ كَانَ كَمَنْ رَآهُ فِي الْيَقَظَةِ وَمُنِعَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُتَصَوَّرَ فِي خِلْقَتِهِ لِئَلاَّ يَكْذِبَ عَلَى لِسَانِهِ فِي النَّوْمِ، كَمَا مُنِعَ أَن يُتَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ فِي اليَقَظَةِ إِكْرَامًا لَهُ.
- فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ
J: مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِي](1) .
قَالَ القُرْطُبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- بَعْدَ أَنْ سَرَدَ أَقْوَالاً كَثِيرَةً فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ: وَالصَّحِيحُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ. أَنَّ رُؤْيَتَهُ
J فِي كُلِّ حَالَةٍ لَيْسَتْ بَاطِلَةً وَلاَ أَضْغَاثًا بَلْ هِيَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا. وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ](2)أ.هـ .
وَبَيَّنَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللهُ أَنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ يَرَاهُ الرَّائِي عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالَّتِي جَاءَتْ مُفَصَّلَةً فِي الأَحَادِيثِ.
__________
(1) رواه البخاري - انظر الفتح 2‍‍(4‍‍‍‍) . ومسلم برقم (6‍‍‍‍).
(2) انظر فتح الباري (2‍‍/1‍‍‍).

(1/30)


فَائِدَةٌ: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ نَقَلَ عَنْهُ حَدِيثًا فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ لاَ يُعْمَلُ بِهِ لِعَدَمِ الضَّبْطِ فِي رِوَايَةِ الرَّائِي فَإِنَّ الْمَنَامَ مَحَلٌّ تَضْعُفُ فِيهِ الرُّوحُ وَضَبْطُهَا](1) .
9‍عِبَارَاتٌ جَافِيَةٌ فِي ظَاهِرِهَا رَحْمَةٌ فِي غَايَتِهَا:
لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ
J فَاحِشًا وَلاَ مُتَفَحِّشًا وَلاَ لَعَّانًا وَلاَ مُنْتَقِمًا لِنَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللهِ فَيَنْتَقِمُ للهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا كَانَ J عَفُوًّا حَلِيمًا عَظِيمَ الشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ والاِعْتِنَاءِ بِمَصَالِحِهِمْ وَالاحْتِيَاطِ لَهُمْ وَالرَّغْبَةِ فِي كُلِّ مَا يَنْفَعُهُمْ كَمَا مَرَّ مُفَصَّلاً، فَعِنْدَما قَدِمَ الطُّفَيْلُ الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ دَوْسًا قَدْ كَفَرَتْ وَأَبَتْ فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: [اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ](2) وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ.
__________
(1) انظر الفصول في سيرة الرسول لابن كثير (ص 8‍‍‍‍‍‍).
(2) رواه البخاري - انظر فتح الباري 7‍(2‍‍‍‍). ومسلم برقم (4‍‍‍‍) واللفظ له .

(1/31)


وَمَا وَقَعَ مِنْهُ J فِي النَّادِرِ وَالْقَلِيلِ مِنْ دُعَاءٍ وَأَلْفَاظٍ ظَاهِرُهَا السَّبُّ فَمَحْمُولٌ - كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ- عَلَى أَنَّ ظَاهِرَهَا وَحَقِيقَتَهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ وَلَيْسَ هِيَ عَنْ قَصْدٍ بَلْ هِيَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي وَصْلِ كَلاَمِهَا بِلاَ نِيَّةٍ كَقَوْلِهِ: تَرِبَتْ يَمِينُكَ](1) وَ [عَقْرَى حَلْقَى](2) وَقَوْلِهِ لامْرَأَةٍ [لاَ كَبِرَ سِنُّكِ] وَقَوْلِهِ فِي مُعَاوِيَةَ: [لاَ أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَهُ(3)] أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَطْلَقَ فِي حَقِّهِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ مُسْتَوْجِبٌ مُسْتَحِقٌّ لَهُ فِي الظَّاهِرِ بِأَمَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ. وَيَكُونُ فِي بَاطِنِ الأَمْرِ لَيْسَ أَهْلاً لِذَلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ J مَأْمُورٌ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ واللهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ(4) . فَخَافَ رَسُولُ اللهِ J لِعَظِيمِ رَحْمَتِهِ وَشَفَقَتِهِ أَنْ يُصَادِفَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ إِجَابَةً فَسَأَلَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَرَغِبَ إِلَيْهِ فِي أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ رَحْمَةً وَكَفَّارَةً وَقُرْبَةً وَطَهُورًا وَأَجْرًا. وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ أَهْلاً وَكَانَ مُسْلِمًا وَإِلاَّ فَقَدْ دَعَا رَسُولُ اللهِ J عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ رَحْمَةً. فَتَحَوَّلَ الدُّعَاءُ وَنَحْوُهُ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ إِلَى كَفَّارَةٍ وَرَحْمَةٍ
__________
(1) تربت يمينك: ترب الرجل إذا افتقر أي لصق بالتراب، وأترب إذا استغني .. انظر النهاية (1‍/4‍‍‍)
(2) عقرى حلقي: قال الزمخشري: هما صفتان للمرأة المشئومة أي أنها تعقر قومها وتحلقهم: أي تستأصلهم من شؤمها عليهم . انظر النهاية (3‍/2‍‍‍، 3‍‍‍)
(3) رواه مسلم برقم (4‍‍‍‍).
(4) انظر شرح النووي علي صحيح مسلم (6‍‍/2‍‍‍).

(1/32)


وَقُرْبَةٍ مِنْ جُمْلَةِ خَصَائِصِهِ J الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا عَنْ أُمَّتِهِ.
- فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ
J، قَالَ: [اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ، شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ، جَلَدْتُهُ،فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلاَةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ](1).
__________
(1) رواه البخاري - مختصرا- انظر الفتح 11(6361).ومسلم برقم (2601) والفظ له.

======

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتاب:الزكاة و كتاب الرغبة والترغيب {موسوعة نضرة النعيم}

     1.كتاب : الزكاة الزكاة الزكاة لغةً: أَصْلُ الْمَادَّةِ يَدُلُّ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ، ...