تضرع ودعاء

سبحانك وبحمدك وأستغفرك أنت الله الشافي الكافي الرحمن الرحيم الغفار الغفور القادر القدير المقتدر الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور... الواحد الأحد الواجد الماجد الملك المغيث لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ..لك الملك ولك الحمد وأنت علي كل شيئ قدير ولا حول ولا قوة إلا بك وأستغفرك اللهم بحق أن لك هذه الأسماء وكل الأسماء الحسني وحق إسمك الأعظم الذي تعلمه ولا أعلمه أسألك أن تَشفني شفاءا لا يُغادر سقما وأن تَكفني كل همي وتفرج كل كربي وتكشف البأساء والضراء عني وأن تتولي أمري وتغفر لي ذنبي وأن تشرح لي صدري وأن تُيسر لي أمري وأن تحلل عُقْدَةً  من لساني يفقهوا قولي وأن تغنني بفضلك عمن سواك اللهم أصلحني: حالي وبالي وأعتقني في الدارين وخُذ بيدي يا ربي وأخرجني من الظلمات الي النور بفضلك  وأن ترحم وتغفر لوالديَّ ومن مات من اخوتي وان تغفر لهم أجمعين وكل من مات علي الايمان والتوبة اللهم آمين  //اللهم تقبل واستجب//https://download.tvquran.com/download/selections/315/5cca02c11a61a.mp3

لمن تكون الشفاعة

لمن تكون الشفاعة

 https://thelowofalhak.blogspot.com/2018/11/pdf.html

الخميس، 31 مارس 2022

كتاب : 10 الأخلاق جزء أول1 .موسوعة النضرة

 

الكتاب : 10 الأخلاق جزء أول1

الأخلاق والقيم التربوية في الإسلام
تقديم
للأستاذ الدكتور علي خليل أبوالعينين
أستاذ أصول التربية الإسلامية ووكيل كلية التربية - جامعة الزقازيق - فرع بنها

أ - تمهيد:
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
فإن الله ميز الإنسان عن غيره من الكائنات التي تعيش معه بأنه كائن أخلاقي أي مدرك للقيم الخلقية، قادر على الإتيان بها وفعلها، قادر ـ بإذن الله ـ على بناء عالم داخلي له يسلك على مقتضاه بعلم واقتدار، ولعله لهذا السبب وضع في مكانة سامية لم يصل ولا يصل إليها أي كائن آخر، فهذا الإدراك وهذا الفهم وهذا الوعي هو الذي أهَّله لشغل تلك المكانة التي يتقلدها باقتدار، بل هو الحد الفاصل بينه وبين غيره.
وقد شاء الله تعالى أن تقوم حياة المجتمع الإنساني على أساس معياري، يعكس حياة معنوية يمثلها الأفراد، تتميز بالقوة والأصالة. تفسير ذلك أن المجتمع يتمثل ويتجسد من خلال نظام مكون من الأعضاء والوظائف، يميل إلى الاحتفاظ بذاته بعيدا عن العوامل الهادمة التي تهدده من الداخل أو من الخارج. ومن أجل ذلك يميل الأفراد في اتصال مشاعرهم الفردية أن يكون هذا الاتصال تعبيرا عن روابط متقاربة تتيح الفرصة لاتصال جيد، وتؤكد مناخا جيدا لتواصل منتج، وبالتالي تتاح الفرصة لتلك المشاعر أن يؤثر بعضها في البعض تأثيرا إيجابيا، ومن ثم تنبعث حياة نفسية من نوع آخر يختلف عن حياة الفرد بصورة خاصة.

(1/1)


والمجتمع الإنساني في عمومه [لا يتكون دون وجود هذا البناء المعياري، وهو بالإجمال أفكار تنطوي على صورة الحياة الاجتماعية، وتتضمن الملاحظات التي تتعلق بها، ويحمل البناء الخطوط الأساسية لتلك الحياة وتطورها](1). وهذا البناء المعياري هو قواعد للسلوك، هي بالأحرى مقاييس من خلالها يحكم على السلوك بأنه مقبول أو غير مقبول، وتشكل في النهاية نوعا من التحديات الثقافية للسلوك المرغوب فيه، وتعطي الفرد كما تعطي المجتمع شكله وشخصيته وهويته، وهذا كله يضمه ويحتويه معنى القيم الخلقية.
وتعتبر الأخلاق صورة المجتمع، لأنها الضابط والمعيار والموقف الأساسي للسلوك الفردي والاجتماعي، أو القواعد الأساسية الممنوحة من الله للإنسان لتنظيم حياته، وهي تنتظم فيما يسمى بالبناء الخلقي أو النظام الخلقي الذي يعكس أهداف المجتمع، ومصادر تكوينه وطبيعة بنائه.
والمجتمع الإسلامي له أخلاقه التي تضبط وتحدد السلوك، بمعنى أن له بناءه المعياري،الذي نبع في الأساس من المصدرين الأساسيين: القرآن والسنة المطهرة، فالقرآن بما أتى به من مكارم الأخلاق وتجسدت في شخص الرسول الكريم وترجمت في أقواله وأفعاله هي المصدر الأساسي المعتمد للقيم في المجتمع الإسلامي.
__________
(1) محمد نور: الإنسان ومجتمعه ـ القاهرة ـ 4891، ص 62، 72 .

(1/2)


إلا أن هذا المجتمع يعيش ـ في الأزمنة المعاصرة ـ مشكلات متراكمة مستعصية، أبرزها تردده بين قطبين، فهو ينجذب نحو حياة معاصرة بما فيها من إنجازات مادية وفكرية لابد أن يتعايش معها ويفهمها ويعيها من ناحية، وتشده ذات متأصلة أصيلة لا يمكنه الفكاك منها من ناحية أخرى، وقد سحبت هذه المشكلة ـ بالذات ـ ظلالها على كافة مكونات حياة الإنسان المسلم المعاصر، بما في ذلك عماد حياته وهو القيم الخلقية، حتى غدت الشغل الشاغل للمفكرين المسلمين، وكما عبر عن ذلك أحد مفكريها بقوله: [ولعل أكبر قضية تواجهنا هي انقطاع صلتنا بمصادرنا الحضارية التي نستمد منها كل عاداتنا وتقاليدنا، ومسلكنا الخاص والعام، فعلاقتنا بتراثنا علاقة تقليد سالب يتوارثه الخلف عن السلف، ولذا جمدت شخصيتنا، وجمد النظر إلى تراثنا الذي هو بمثابة السياج لتحركنا الفردي والجماعي، لأننا نتدراسه ولا نتأمله ولا نُجِيلُ فيه النظر، ولا نجرى فيه من التحوير والتطوير بما يتلاءم وتغير الأحوال والظروف، فَظَلَّ حبيس الكتب في معظم الأحوال، وحبيس الذاكرة في بعضها لقرون طويلة](1).
إن الغزوة الاستعمارية أبدلت المثقفين ثقافة بثقافة، ولهذا ظل تراثنا بعيدا عن الحياة الفاعلة، وانقطعت عقول المفكرين عن التعامل معه وإخصابه بالتأمل والاجتهاد والتلاقح بتيارات الفكر المعاصر، وبالتالي فقدت كل المؤسسات الاجتماعية المنبثقة عنه حيويتها وانفعالها، وفعاليتها، وجفت صلتها بالحياة، ومن ثم أهملت لتحل محلها مؤسسات وأفكار أخرى كان من نتيجتها ازدواجية في الحياة وفي الفكر انعكست آثارها على حياة المجتمع والأفراد](2).
__________
(1) عون الشريف قاسم: الإسلام والثورة الحضارية، بيروت، دار القلم، 0041هـ/0891م، ص 62 (بتصرف).
(2) المرجع السابق: ص 72 .

(1/3)


إن أبعاد هذه المشكلة وآثارها واسعة عريضة، وفي مجال الأخلاق على وجه الخصوص، ولذا فإنه من الملح الآن وللمستقبل القريب والبعيد، وبعد معايشة التجارب، تلمس بناءً تربويًّا يستند على أهداف قوية وصحيحة وسليمة، تستلهم قيم الأمة، القائمة على أصالة حقيقية تمتلك من مقومات الذات الأصيلة روحها في غير انغلاق أو حرمان من إمكانيات العصر ومقوماته وثماره، ولا بد من إعادة القيم الخلقية الإسلامية إلى مكانها الصحيح، في إطار التكامل بين الدين والدنيا، لتحقيق الوسطية التي هي حقيقة الإسلام، لأنه إذا انفصل الدين عن الدنيا انشطرت الشخصية الفردية وتداعت علاقات المجتمع، وحدثت هزات وهزات في المجتمع والفرد على السواء.
وإذا كان مفهوم الاستقلال الذاتي من المفاهيم القوية السائدة في المجتمعات المعاصرة، إذ أصبح يؤكد في كل مجالات النشاط الإنساني وحركته [على الخصائص الذاتية المميزة لشخصية المجتمع] مما يعني [تأكيد الهوية الثقافية] فإن الملاحظ أن المجتمع الإسلامي المعاصر يعانى من قصور في تأكيد ذاته وهويته الثقافية، إلى جانب معاناته من قصور في الوسائل الحضارية والمادية، ولعل هذا يعود في معظمه إلى معاناته الحقيقية من تخلخل البناء المعياري القيمي، واهتزاز نسق القيم الخلقية، وبالتالي اختلال واضطراب في الأهداف التربوية، التي تتأرجح بين مثالية ومادية، مثالية طموحة، وواقعية أو مادية مخلخلة مضطربة، وبتعبير أصح هو انفصام بين التصور والواقع المعاش، بين الغايات والوسائل.

(1/4)


ومما زاد في تفاقم الأمر تعرض العالم المعاصر لموجة من الاهتزازات الخلقية المتناقضة، وتتمثل في مظاهر متضاربة ومتناقضة من الممارسات وأنماط السلوك الفردية والسياسية، والاجتماعية. التي تسلب الأفراد والجماعات السعادة والأمن والأمان والاستقرار، بل تضعف العلاقات في ميادين الحياة المختلفة، ولقد أعطت التسهيلات المادية التكنولوجية الحديثة هذه الهزات والفجوات صفة العالمية، ولم يعد بمقدور مجتمع ما إغلاق منافذه أمامها أو النجاة منها](1).
__________
(1) ماجد عرسان الكيلاني: اتجاهات معاصرة في التربية الأخلاقية، عمان، دار البشير 1991م، ص 5 (بتصرف يسير).

(1/5)


إزاء كل ما سبق، وفي سعي المجتمع الإسلامي في تعدده وتنوعه إلى تحقيق الذات، والبناء الذاتي المتميز القادر على العطاء والإبداع، وتأكيد الهوية والشخصية، فإنه يمكنه أن يؤكد ذلك من خلال أهم ما يميزه وهو القيم الإسلامية النابعة من المصادر الأصيلة، والعلاقات الإنسانية التي يحاول التمسك بها، وأهميتها لا تنكر للمجتمع وللتربية، إذ أن القيم والأخلاق أهم عناصر العملية الاجتماعية ـ التربوية ـ، ويلاحظ أن ظهور القيم ـ عند البعض ـ هو الحد الفاصل بين الذاتية والموضوعية، وبين الحقائق والأحكام، وبين ما هو كائن، وما يجب أن يكون، وبين الغايات والوسائل، وبين المعقول واللامعقول. ومع هذا فإن بعض علماء القرن الحالي (العشرين) لا يطمئنون إلى موضوع القيم، بل ظهرت محاولات لاجتثاث علم القيم من العلوم الموضوعية، بل من المفاهيم السلوكية لموضوع التعلم، ولاستبعاده من الأسس السلوكية والنفسية، ورغم هذا؛ فإنهم عند إصدار الأحكام يجعلون للقيم دور أساسي تؤديه، لأن عملية إصدار الأحكام تبنى على وزن الأفضليات، وعلى الموازنة بين المساوئ والمحاسن، وعلى اختيار النتائج المترتبة مستقبلا على الأحكام الحالية، فإذا لم تكن هناك قيم، أو إذا كانت هناك قيم مهملة، فإنه لا يمكن التمعن في الاختيار بين مساق ومساق، وبغير القيم تصبح الحياة مستحيلة(1).
__________
(1) جيمس و. بوتكن، د. مهدى المنجدة، ومرسيا مالتزا: التعلم وتحديات المستقبل، إعداد وتقديم: عبدالعزيز القوصي، القاهرة، المكتب المصري الحديث، 1891م، ص 98 .

(1/6)


إزاء هذا ـ أيضا ـ لا بد أن ندرك أهمية وجود منظومة الأخلاق والقيم المتميزة بالتعدد والمرونة في ظل التقدم العلمي والتقني، والذي غدا يمس كل مكون من مكونات الحياة الإنسانية ولم يستطع أن يحل مشكلات الإنسان المعاصر، فبالرغم من مساهماته، إلا أننا نرى اضطرابات ومؤثرات اجتماعية واقتصادية وسياسية، هذا إلى جانب تفاقم مشكلات العمل والصراع بين الفقراء والأغنياء من الدول، وتفاقم المنازعات الإقليمية، إلى جانب مشكلات أخرى تعمل كلها على تقويض حضارة العالم كله.
وامتد أثر ذلك كله إلى المجتمع الإسلامي في تربيته وتعليمه، وعلى بناء الشخصية المتميزة في هذا المجتمع، فخصائص المجتمع وأمراضه الخلقية تفرض مراجعة الذات ونقدها وتحليلها من أجل تأكيد القيم التي تعتبر الأساس السليم لبناء تربوي متميز، لأن التقدم الأعمى الذي لا يقوم على أساس قيمي لا بد أن يؤدى إلى تعريض الشخصية للضياع.
ويتأكد ذلك في خضم نتائج التيارات الفكرية المتصارعة، ووسط ذلك الزخم الهائل المتراكم عن التربية الإسلامية، وعلى كافة الأصعدة الفكرية في موجات البحث عن الذات، وعن الوعي بها، وإذا كان ثمة أفكار طرحت في سبيل تربية الإنسان وبناء شخصيته، فإننا قد نجد منها الكثير مما يسير في طريق أحادى التفسير، يرى في التكوين الجزئي سبيلا إلى تكوين الشخصية الإنسانية، في حين أن المفروض أن ينظر إلى الأمر بطريقة متكاملة، بحيث تصاغ تلك الشخصية المتكاملة، بطريقة متكاملة، لا اهتمام فيها بجزء من الشخصية لحساب جانب آخر.

(1/7)


ولتوضيح أهمية هذه الفكرة لعله من المهم الرجوع إلى مفهوم التربية ذاته، والمؤثرات التي تساعدها، فالتربية هي تعني: [مجموعة المؤثرات المعينة التي تمتد إلى إحداث تغيرات لدى الأفراد حتى يكتسبوا سمات الشخصية التي نتفق على اعتبار أنها قد تزودت بالخصائص التربوية، فالأمر المسلم به أن الفرد لكي يتسنى الحكم عليه بأنه قد تمت تربيته، فإن ذلك يعني أنه قد تعلم أن يصبح شخصًا سويًّا](1).
ولذلك فإن هناك عددا من المؤشرات التي تصحب عملية التربية طبقا لهذا المفهوم وتتمثل فيما يلي:
1 - مجموعة المعارف والمهارات والاتجاهات معبرا عنها في أهداف سلوكية.
2 - مجموعة القيم والمثل العليا التي تنبني عليها وتتضمنها العملية التربوية.
3 - مجموعة الطرق والأساليب المستعملة لإمداد المتعلم بالمجموعتين السابقتين(2).
ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن الحياة الإسلامية ترتبط ارتباطا كليا بالقرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة فإن مصادر اشتقاق أي نظام ملائم وموافق للحياة الإسلامية إنما يكون من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة، ومن ثم فإن اشتقاق النظام الخلقي في الإسلام يكون هذان مرجعه، فالقرآن الكريم كتاب الإسلام الخالد المحفوظ بقدرة الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وفيه شمول لكافة جوانب الحياة، محددة بصورة بليغة دقيقة. {مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ}.
__________
(1) نبيه يس: أبعاد متطورة في الفكر التربوي، القاهرة، مكتبة الخانجي، د . ت، ص 81 .
(2) محمد الهادي عفيفي: الأصول الفلسفية للتربية ، القاهرة ، الأنجلوالمصرية، 1972، ص 279.

(1/8)


أما السُّنَّة، فهي ترجمة صادقة لحياة الرسول J، وليس هناك إنسان في التاريخ البشري كله نقلت حياته بصورة تفصيلية مثلما نقلت حياة الرسول محمد J، بل لقد اخترعت المناهج العلمية من أجل تنقيح وتحقيق وتمحيص السنة والسيرة، ولقد كان ذلك، لأن الرسول القدوة للبشر كلها، ولأننا مطالبون بأن نقتدي بسيرته J {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهَ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} (آل عمران/13).
ومن ثم كان التوجه إليهما لاكتشاف النظام الخلقي ومكارم أخلاق الرسول
J استرشادا بها لصياغة تربية خلقية رشيدة، والهدف من وراء ذلك:
1 - إبراز دور القيم الخلقية الإسلامية في صياغة الحياة الإسلامية وأهدافها، وفي إصدار الأحكام وتحديد الأفضليات، والتمييز بين المزايا والمساوئ، واختيار النتائج المترتبة على الأحكام، فالبحث في هذا المجال يعني تأكيد الاختيار، لأنه بغير تلك القيم الخلقية يصبح الاختيار في مجال الأهداف والبرامج أمرا غير ممكن وغير واضح.
2 - إبراز فعاليات منظومة الأخلاق الإسلامية في ظل التقدم العلمي والتقني المعاصر، وما صحبه من اضطرابات ومؤثرات تمس كل مكونات الحياة الإنسانية، حتى غدت مشكلة الأخلاق هي المشكلة المتفاقمة في المجتمع الإنساني كله.
3 - إبراز فعاليات دور منظومة الأخلاق الإسلامية في مجال التربية بالذات، ترشيدا للجهد، وتأكيدا لدورها في إعطاء شخصية المجتمع الإسلامي والفرد المسلم الملامح المتميزة عبر الأصالة.
4 - الإسهام في طرح أوسع لقضية الأخلاق الإسلامية، فالدراسات في هذا المجال بالرغم من تعددها إلا أنها لم تزل قاصرة عن الإحاطة والشمول المطلوبين.
5 - الإسهام في صياغة أهداف الحياة الإسلامية، عن طريق إبراز القيم الخلقية الإسلامية، وهو أمر يحتمه الواقع وتفرضه الضرورة فهو إسهام في إعادة الوعي بالذات الإسلامية، في مجال التربية، والدعوة، والتربية الأسرية، وما إلى ذلك.

(1/9)


وينطلق البحث في مجال الأخلاق الإسلامية من عدة اعتبارات مهمة، تأتى كمنطلقات مبدئية يدور البحث في إطارها، وهي:
1 - أن الإسلام منهج حياة، وهو ليس مجرد قواعد تعرف بأنها الإسلام، وليس مجموعة من المبادئ الأساسية التي تنطوي عليها هذه القواعد، إنه منهج حياة، حدد حركة المجتمع الإسلامي، وأوجد قواعد السلوك الفردي والاجتماعي ومعاييره، وذلك لضمان توجه الحركة نحو تحقيق أهداف الإسلام في الحياة، وغايته في إسعاد الناس أفرادا وجماعات في الدنيا والآخرة، ومن ثم أتت جميع نظمه وقواعده ومعاييره وتصوراته وأخلاقياته وافية بحاجات الناس من جميع نواحيها.
2 - أن الإسلام لا يعي مجرد الصلة بين الإنسان وربه فقط، وإنما هو توجيه شامل لحياة البشر، بما جاء في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وما صح من اجتهاد في ضوئهما، ومعنى هذا شمولية أنظمته، وعدم اقتصارها على تحديد صلة الإنسان بربه في وصفها التقليدي، بل في وصف مبتكر، إذ أن تلك التصرفات تصب في النهاية في هذه العلاقة، ومن ثم ضمنت حسن التوجه.
3 - أن مجال القيم الخلقية الإسلامية كما أتى في المصادر الأساسية واسع فسيح، يمتد ليشمل ما يمكن أن يواجه حياة الإنسان من تغيرات في إطار الثوابت، مما يعنى استيعابه كل ما يستجد في حياة الناس ما لم يتعارض مع أصل من الأصول التي أتت في شكل قيم إلزامية، وأوامر تكليفية.
4 - أن القيم الخلقية الإسلامية هي المعبر الحقيقي عن ثقافة المجتمع الإسلامي، وهى في حقيقتها قيم داعية إلى التقدم والتفتح والإبداع والابتكار ولا تقف ضدها بل هي التقدم ذاته.
5- أن البحث الأخلاقي ينطلق من مقولات أساسية تتمثل فيما يلي:
أ - هذه الأخلاق ربانية المصدر ولأنها كذلك فهي تربي الإنسان على أفضل وجه وأحسنه يقول الله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا} (النساء /174) .

(1/10)


ب - أن التمسك بأهداب هذه التربية الأخلاقية كما جاءت في القرآن الكريم والسنة المطهرة يقدم حلولا جذرية للمشاكل التي يعاني منها العالم المعاصر، لأن ذلك الحل الإسلامي في المجال الأخلاقي يشمل المجتمع الإنساني كله وما ذاك إلا لأن قاعدته متكاملة وشاملة، أي أن تفاصيل التربية الإسلامية تشمل الإنسان في كل ظروفه وفي جميع حالاته، وتتصل بجميع أنواع علاقاته، سواء مع الله ـ عز وجل ـ أو مع النفس أو مع الآخرين، هذه التربية تعد الإنسان للحياة كما تعده للموت، وتربط بينه وبين محيطه المادي والمعنوي، وهذا الترابط ينتج عنه تكامل وتفاعل بين عناصر الوجود، وهو سر من أعظم أسرار الخليقة مكن التربية القرآنية من أن تتميز بالاستمرارية والعمومية لكل الناس في كل زمان ومكان.
جـ- التربية الإسلامية تهتم بالفرد كما تهتم بالمجتمع وتوازن بين احتياجات الدنيا واحتياجات الآخرة وبين القوة والرحمة، يقول الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا أَتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص/77).
6 - أن تنمية هذه الأخلاقيات منوط بالعملية التربوية ووظيفتها في الوجود الاجتماعي، وذلك لا يكون إلا بالنظر إلى حركتها ككل مترابط شامل، في علاقاتها المتشابكة بكل مكونات المجتمع، وبكل مكونات الحياة الفردية، ويعنى هذا أن القيم الخلقية الإسلامية تلعب الدور الأكبر في تحديد دور التربية ووظيفتها، لأنها تتخلل كل مكونات المجتمع الإسلامي.

(1/11)


7- ترتبط القيم والأخلاق الإسلامية بالجزاءات الدنيوية والأخروية ولذا كان الوعد والوعيد والترغيب والترهيب وكان لها هدف أسمى وراء الالتزام (بعد الاختبار) القائم على وعي كامل لما جاء به الشرع وأمر بالالتزام به وذلك الهدف هو إرضاء الله تعالى ويأتي الجزاء بعد ذلك والذي لا يحرم منه الملتزم العابد(1).
ومن أجل بلوغ هذا الهدف التربوي لا بد أن يكون ما تصبو إليه ممكنا وهذا هو ما أثبته رسولنا الكريم
J بالفعل وبرهان ذلك أن الخلق النبوي الكريم ظل قائما مئات السنين وكان وسيظل أسوة حسنة لقوله تعالى:{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} (الأحزاب/21) .
إن السبيل إلى الوصول إلى هذا الهدف السامي موضح بجلاء في كتاب الله تعالى بقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران/31).
وبهذا الجهد نتوجه إلى العالم الإسلامي بكافة فئاته وطوائفه، ذلك المجتمع المتطلع إلى التقدم الحضاري والدور المتميز في العطاء الحضاري، والهداية الإنسانية، وعلى وجه الخصوص تلك الفئات التي تتعامل بطريقة مباشرة في مجال بناء الإنسان، أعز ما يملكه هذا المجتمع، ومنهم:
1 - المعلمون والمربون، الذين يشكلون القدوة لأبنائنا في المدارس عبر مساحات العالم الإسلامي، ولهم تأثير واسع وكبير في بناء شخصيات هؤلاء الأبناء.
2 - الإعلاميون، والذين لهم دور بارز وخطير في التعليم والتربية، وفي مجال التأثير المباشر وغير المباشر عبر وسائل الاتصال الحديثة والمتنوعة، والتي جعلت من العالم كله قرية صغيرة.
__________
(1) أنظر في ذلك خصائص القيم الإسلامية ص81 وما بعدها .

(1/12)


3 - الدعاة وتأثيرهم الخطير في مجال الاتصال بالجماهير، والذين يعتبرهم الناس أهل علم الإسلام، والقدوة الاجتماعية، ويزداد هذا العمل أهمية بالنسبة لهم خاصة فيما يواجه المجتمع الإسلامي من تحديات.
4 - أولياء الأمور: خاصة في العصر الذي نعيشه الذي يتسم بسرعة التغيير وسرعة الاتصال، وما يشوب وسائل الاتصال والتربية من شوائب، تتطلب من أولياء الأمور وعيا راشدا، وهذا ما تحاول أن تفعله الموسوعة.
وسوف نلقي الضوء في الفصول التالية على ما يلي:
أولاً :…مفهوم الأخلاق .. أصالتها في الفكر الإسلامي .. وظائفها.
ثانيًا :…الأخلاق الإسلامية .. طبيعتها .. مصادرها .. أركانها.
ثالثًا :…المنهج الإسلامي في تنمية القيم الخلقية.
رابعًا :…وسائل تنمية الأخلاق الإسلامية.
خامسًا:…وسائط تنمية الأخلاق.
الفصل الأول
مفهوم الأخلاق .. أصالتها في الفكر الإسلامي .. وظائفها
ما الأخلاق؟
لكلمة [الأخلاق] وكلمة [خلقي] تأثير خاص، كان مدعاة للاختلاف حول تحديد هذا اللفظ، ومن ثَمَّ تعددت الآراء حول تحديد معنى الأخلاق لغةً واصطلاحًا على النحو الذي نوضحه فيما يلي:-
الأخلاق لغةً:
الأخلاق في اللغة جمع خُلُق، والخُلُق اسم لسجية الإنسان وطبيعته التي خُلِق عليها، وهو مأخوذ من مادة (خ ل ق) التي تدل على تقدير الشيء. يقول ابن فارس: ومن هذا المعنى (أي تقدير الشيء) الخُلُق، وهو السَّجيةُ لأن صاحبه قد قُدِّر عليه، يُقال: فلان خليق بكذا (أي قادر عليه وجدير به)، وأخلق بكذا أي ما أخلقه، والمعنى هو ممن يُقَدَّر فيه ذلك، والخلاق: النصيب لأنه قد قُدِّر لكل أحدٍ نصيبه(1).
__________
(1) مقاييس اللغة لابن فارس 2/214.………

(1/13)


وقال الراغب: الخَلْقُ والخُلْقُ (والخُلُق) في الأصل واحد لكن خُصَّ الخَلْقُ بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص الخُلُقُ بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة(1). قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم/4)، الخُلُق العظيم هنا هو ـ كما يقول الطبري ـ الأدب العظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله به وهو الإسلام وشرائعه، وقد روى هذا المعنى عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في قوله: {لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} المعنى: على دين عظيم وهو الإسلام. وعن مجاهد في قوله: {خُلُقٍ عَظِيمٍ} قال: الدين. وعن عائشة - رضي الله عنها - عندما سُئلت عن خُلُق رسول الله J قالت:[ كان خُلُقُهُ الْقُرْآنَ]. قال قتادة: تقول: كما هو في القرآن(2).
وذكر القرطبي أن المراد بالخلق العظيم أدب القرآن، وقيل: هو رفقه بأمته وإكرامه إياهم، وقيل المراد: إنك على طبع كريم(3)، وقال أيضًا: حقيقة الخُلُق في اللغة هو ما يأخذ به الإنسان نفسه من الأدب لأنه يصير كالخِلْقة فيه، وأما ما طبع عليه الإنسان من الأدب فهو الخِيم أي السَّجية والطبع، وعلى ذلك يكون الخُلُق: الطبع المتكلف، والخِيم الطبع الغريزي، وقد ذكر الأعشى ذلك في شعره فقال:
وَإِذَا ذُو الفُضُولِ ضَنَّ علَى المَوْ… لَى وَعَادَتْ لِخِيمِهَا الأَخْلاَقُ
__________
(1) المفردات للراغب ص 158.
(2) انظر هذه الآثار (وغيرها مما لا يخرج عنها) في تفسير الطبري، مجلد 12، جزء 28، ص 13 (ط. الريان).
(3) تفسير القرطبي 18/227 .

(1/14)


أي رجعت الأخلاق إلى طبيعتها(1). وقد رجح القرطبي تفسير عائشة - رضي الله عنها - للخلق العظيم بأنه القرآن(2)، وسمي خلقه عظيمًا لأنه لم تكن له J همة سوى الله تعالى، وقيل: لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، وقيل: لأنه امتثل تأديب الله إيَّاه(3). وقال الماوردي في الخلق العظيم ثلاثة أوجه: أحدها: أدب القرآن، الثاني: دين الإسلام، الثالث: الطبع الكريم وهو الظاهر.
قال: وحقيقة الخُلُق ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب، سمي بذلك لأنه يصير كالخِلْقة فيه(4).
والخَلاَقُ: ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه(5). قال تعالى: {مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} (البقرة/102)، الخلاق قيل: النصيب، وقيل: الدين، وقيل: القَوَامُ، وقيل: الخلاص، وقيل: القَدْرُ(6)، والأول قول مجاهد. قال القرطبي: وكذلك هو عند أهل اللغة إلاَّ أنه لا يكاد يستعمل إلاَّ للنصيب من الخير(7) . والخليقة: الطبيعة، وجمعها خلائق، قال لبيد:
وَاقْنَعْ بِمَا قَسَمَ المَلِيكُ فَإِنَّمَا… قَسَمَ الخَلاَئِقَ بَيْنَنَا عَلاَّمُهَا
والخِلْقَةُ (بالكسر) الفِطْرَةُ، يُقال: خلق فلان لذلك، كأنه ممن يقدّر فيه ذلك وترى فيه مخائله. والخُلْقُ والخُلُق: السَّجية، وفلان يتخلق بغير خلقه أي يتكلفه، قال الشاعر (سالم بن وابصة):
يا أَيُّهَا المُتَحَلِّي غَيْرَ شَيمَتِهِ…… إِنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الخُلُقُ(8).
__________
(1) المرجع السابق نفسه، الصفحة نفسها.
(2) انظر حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ في صفة حُسن الخُلُق (حديث رقم 5).
(3) تفسير القرطبي 18/228.
(4) تفسير الماوردي (النكت والعيون) 6/61 - 62.
(5) مفردات الراغب 158.
(6) تفسير البحر المحيط لأبي حيان 1/503.
(7) تفسير القرطبي 2/56.
(8) الصحاح 4/471.

(1/15)


وقال ابن منظور: الخُلُقُ هو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أن صورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما (أي للصورتين) أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلَّقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حُسن الخُلُق(1)، أما قول الله تعالى: {إِنْ هَذَا إلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ} (الشعراء/137). فالخُلُق قيل: هُوَ شيمةَ الأولين، وقيل: عادة الأولين، أما قراءة خَلْقِ (بفتح الخاء وسكون اللام)، فالمراد به الافتراء والكذب(2)، أي أنه في معنى الاختلاق وقال صاحب[ التحرير والتنوير] في تفسير هذه الآية: الخُلُق السجية المتمكنة في النفس باعثةً على عمل يناسبها من خير أو شر، وتشمل طبائع الخير وطبائع الشر ولذلك لا يعرف أحد النوعين من اللفظ إلاَّ بقيد يضم إليه، فيقال: خُلُق حسن، وفي ضده خلق قبيح، فإذا أُطلق عن التقييد انصرف إلى الخلق الحسن(3).
وقال الفيروزابادي: اعلم أن الدّين كله خُلُق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، وهو يقوم على أربعة أركان: الصبر والعفة والشجاعة والعدل، وذكر أن كل واحد من هذه الأربعة يؤدي إلى غيره من المكارم ويحمل عليه، فالصبر (مثلاً) يحمل على الاحتمال وكظم الغيظ وإماطة الأذى والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة ... وقال أيضًا: والتوسط منشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة(4).
الأخلاق اصطلاحًا:
لكي نوضح مفهوم الأخلاق الإسلامية، لابد من التعرُّف أولاً على المفهوم الاصطلاحي للفظي الخلق والأخلاق كما فهمه العلماء المسلمون، وسنحاول الكشف عن ذلك في الفقرات التالية:
__________
(1) لسان العرب 10/86 (ط. بيروت)، وانظر هذه الأحاديث في صفة حُسن الخلق.
(2) لسان العرب 10/88 (ط. بيروت).
(3) تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور 19/171 - 172.
(4) بصائر ذوي التمييز 2/568.

(1/16)


يذهب الجاحظ (ت: 255هـ) إلى [أن الخلق هو حال النفس، بها يفعل الإنسان أفعاله بلا روية ولا اختيار، والخلق قد يكون في بعض الناس غريزة وطبعًا، وفي بعضهم لا يكون إلاَّ بالرياضة والاجتهاد، كالسخاء قد يوجد في كثير من الناس من غير رياضة ولا تعمل، وكالشجاعة والحلم والعفة والعدل وغير ذلك من الأخلاق المحمودة](1).
وكثير من الناس يوجد فيهم ذلك، فمنهم من يصير إليه بالرياضة ومنهم من يبقى على عادته،ويجري على سيرته.
ويُعرِّف ابن مسكويه (ت: 421هـ) الأخلاق بأنها(2) [حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيًّا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب ويهيج من أقل سبب، وكالإنسان الذي يجبن من أيسر شيء، أو كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه، أو يرتاع من خبر يسمعه، وكالذي يضحك ضحكًا مفرطًا من أدنى شيء يعجبه، وكالذي يغتم ويحزن من أيسر شيء يناله . ومنها ما يكون مستفادًا بالعادة والتدرُّب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر، ثم يستمر أولاً فأولاً حتى يصير ملكة وخلقًا].
أما الماوردي (ت: 450هـ) فقال: الأخلاق [غرائز كامنة، تظهر بالاختيار، وتقهر بالاضطرار](3).
__________
(1) الجاحظ: تهذيب الأخلاق، دار الصحابة للتراث، ط1، 1410هـ - 1989م، ص 12.
(2) ابن مسكويه: تهذيب الأخلاق لابن مسكويه في التربية، دار الكتب العربية، بيروت، ط2، 1401هـ - 1981م، ص 4، 5
(3) أبوالحسن البصري الماوردي: تسهيل النظر وتعجيل الظفر (تحقيق د. محيي هلال السرحان)، بيروت، 1983م، ص 5.

(1/17)


وقال الجرجاني: [الخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خُلقًا حسنًا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سُمِّيت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقًا سيئًا، وإنما قلنا إنه هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه](1).
مفهوم الأخلاق عند ابن تيمية:
ومفهوم الأخلاق عند ابن تيمية مرتبط بمفهوم الإيمان، وما ينبثق عنه حيث إنه يقوم على عدة عناصر هي:
1- الإيمان بالله وحده خالقًا، ورازقًا بيده المُلك (توحيد الربوبية).
2- معرفة الله سبحانه وتعالى، معرفةً تقوم على أنه وحده - سبحانه - المستحق للعبادة (توحيد الألوهية).
3- حُبُّ الله سبحانه وتعالى حبًّا يستولي على مشاعر الإنسان، بحيث لا يكون ثمة محبوب مُراد سواه سبحانه.
4- وهذا الحب، يستلزم أن يتجه الإنسان المسلم نحو هدف واحد هو تحقيق رضا الله سبحانه، والالتزام بتحقيق هذا الرضا في كل صغيرة وكبيرة من شئون الحياة.
5- وهذا الاتجاه يستلزم من الإنسان سموًّا عن الأنانية وعن الأهواء، وعن المآرب الدُّنيا، الأمر الذي يتيح له تحقيق الرؤية الموضوعية والمباشرة لحقائق الأشياء، أو الاقتراب منها، وهذه شروط جوهرية في الحُكم الخلقي.
6- وعندما تتحقق الرؤية المباشرة والموضوعية للأشياء والحقائق، يكون السلوك والعمل خُلقًا من الدرجة الأولى.
7- وعندما يكون العمل خُلقًا من الدرجة الأولى، نكون ماضين في طريق تحقيق، أو بلوغ الكمال الإنساني(2).
__________
(1) التعريفات للجرجاني، ص 104.
(2) محمد عبد الله عفيفي، النظرية الخلقية عند ابن تيمية، مطابع الفرزدق التجارية، الرياض، ط1، 1408هـ - 1988م، ص58 - 59.

(1/18)


وهذا المنهج الذي سلكه ابن تيمية في تحديد مفهوم الأخلاق الإسلامية يعتبر جديدًا، كما اتضح ذلك من دراسة [النظرية الخلقية عند ابن تيمية].
إن ابن تيمية كان أوفى، وأكمل، وأكثر نضجًا ممن سبقه من علماء المسلمين أو غيرهم في هذا المضمار، وذلك لأن التصور النظري للأخلاق لدى هؤلاء العلماء والفلاسفة جميعًا، فيه من الثغرات وعليه من المآخذ ما يجعل من هذا التصور فكرة ناقصة، بل عاجزة عن تحقيق الكمال الإنساني، وفي التصور الإسلامي للأخلاق لدى ابن تيمية نرى الارتباط الوثيق بين مفهوم الأخلاق، ومفهوم الإيمان الذي حدَّده الإسلام، وما ينبثق عنه من نظام في العبادة، يكمن في التصور الخلقي الصحيح، ففي الإيمان وطرائقه، وآفاقه تستطيع النفس الإنسانية أن تجد حاجتها المادية والروحية معًا، وليس ثمة طريق يبلغ بالإنسان إلى كماله المنشود، وصلاحه المرجو، وبالتالي سعادته المأمولة، غير طريق الإيمان.
ابن القيم ومفهوم الأخلاق:
لم يضع ابن القيم تحديدًا أو تعريفًا حدِّيًّا للأخلاق وإنما عرَّفها بالمثال، وقسمها إلى قسمين هما:
الأول: الأخلاق المذمومة.
الثاني: الأخلاق الفاضلة.
وأرجع كلا القسمين إلى أصوله فقال: أصل الأخلاق المذمومة كلها الكبر والمهانة والدناءة، وأصل الأخلاق المحمودة كلها الخشوع وعلو الهمة(1)، ثم أشار - رحمه الله تعالى - إلى أن للأخلاق حدودًا(2) متى جاوزتها صارت عدوانًا، ومتى قصرت عنها كانت نقصًا ومهانة.
وعلى سبيل المثال فللشجاعة حد إذا جاوزته صارت تهورًا، ومتى نقصت عنه صارت جبنًا وخورًا.
__________
(1) ابن قيم الجوزية،الفوائد، ص 197، ومعنى التعريف بالمثال أنه أشار إلى نوعي الأخلاق المحمودة والمذمومة، وكأنه قال: الأخلاق المحمودة ما كان مثل الخشوع، والأخلاق المذمومة ما كان مثل الكبر.
(2) المرجع السابق نفسه، ص 192 - 193 .

(1/19)


وقد اقتفى ابن القيم أثر شيخه ابن تيمية في الربط بين الإيمان والأخلاق وأشار إلى أن النبي J قد جمع بين تقوى الله وحُسن الخُلُق، وفسَّر ذلك بقوله [لأنَّ تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحُسن الخُلُق يصلح ما بينه وبين خلقه، فتقوى الله توجب له محبة الله، وحُسن الخلق يدعو الناس إلى محبته](1).
تعريفات الأخلاق عند المحدثين:
تُعرف الأخلاق عند المحدثين بأنها [تصور وتقييم ما ينبغي أن يكون عليه السلوك متمشية في ذلك مع مثل أعلى أو مبدأ أساسي تخضع له التصرفات الإنسانية ويكون مؤازرًا للجانب الخيِّر في الطبيعة البشرية](2).
ويرى عبدالودود مكروم أن الأخلاق هي [مجموعة القواعد السلوكية التي تحدد السلوك الإنساني وتنظمه، وينبغي أن يحتذيها الإنسان فكرًا وسلوكًا في مواجهة المشكلات الاجتماعية والمواقف الخلقية المختلفة، والتي تبرز المغزى الاجتماعي لسلوكه بما يتفق وطبيعة الآداب والقيم الاجتماعية السائدة](3).
ويذهب عبدالرحمن الميداني: إلى أن الخلق [صفة مستقرة في النفس فطرية أو مكتسبة ذات آثار في السلوك محمودة أو مذمومة]، [فالخلق منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، والإسلام يدعو إلى محمود الأخلاق، وينهى عن مذمومها].
__________
(1) المرجع السابق نفسه، ص 74 - 75 .
(2) حسن الشرقاوي: نحو الثقافة الإسلامية، جـ1، القاهرة، دار المعارف، 1979م، ص 238.
(3) عبدالودود مكروم: [دراسة لبعض المشكلات التي تعوق الوظيفة الخلقية للمدرسة الثانوية] رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة المنصورة، 1983م، ص22.

(1/20)


ويفسر رؤيته وتعريفه بقوله: [وتستطيع أن تقيس مستوى الخلق النفسي عن طريق قياس آثاره في سلوك الإنسان: فالصفة الخلقية المستقرة في النفس إذا كانت حميدة كانت آثارها حميدة، وإذا كانت ذميمة كانت آثارها ذميمة، وعلى قدر قيمة الخلق في النفس تكون - بحسب العادة - آثاره في السلوك، إلاَّ أن توجد أسباب معوقة أو صوارف صادرة عن ظهور آثار الخلق في السلوك].
ويفرِّق بين الصفات الخلقية والغرائز، فيقول: [وليست كل الصفات المستقرة في النفس من قبيل الأخلاق، بل منها غرائز ودوافع لا صلة لها بالخلق، ولكن الذي يفصل الأخلاق ويميزها عن جنس هذه الصفات كون آثارها في السلوك قابلة للحمد أو للذم، فبذلك يتميَّز الخلق عن الغريزة ذات المطالب المكافئة لحاجات الإنسان الفطرية].
ويقول: [إن الغريزة المعتدلة ذات آثار في السلوك، إلاَّ أن هذه الآثار ليست مما يحمد الإنسان أو يذم في باب السلوك الأخلاقي، ولكن الشره الزائد عن حاجات الغريزة العضوية أمر مذموم، لأنه أثر لخلق في النفس مذموم، هو الطمع المفرط، وعكس ذلك أثر لخلق في النفس محمود هو القناعة. وهكذا سائر الغرائز والدوافع النفسية التي لا تدخل في باب الأخلاق، إنما يميزها عن الأخلاق كون آثارها في السلوك أمورًا طبيعية ليست مما تحمد إرادة الإنسان عليه أو تذم](1).
نخلص مما سبق إلى عدة أمور:
1- أن مبحث الأخلاق من المباحث العلمية الهامة والعظيمة التي اهتم بها العلماء المسلمون على اختلاف تخصصاتهم العلمية وما يزال هذا البحث من أهم المباحث على المستوى الفكري الإسلامي وغير الإسلامي مع اختلاف في الفهم.
2- أن فهم الخلق بمقتضى اللغة، والتحديدات التي اصطلح عليها العلماء لا يخرج عن المعاني التالية:
- السجية أي الطبيعة المتمكنة في النفس سواء كانت حسنة أو قبيحة.
__________
(1) عبدالرحمن حسن حبنكة الميداني: الأخلاق الإسلامية وأسسها، الطبعة الأولى، دمشق، دار القلم، 1399هـ - 1979م، جـ1، ص 7 - 8

(1/21)


- العادة و الطبيعة، والدين والمروءة.
- ملكة تصدر الأفعال بها عن النفس بسهولة من غير تفكير ولا روية وتكلف.
- صفة مستقرة في النفس ذات آثار في سلوك الفرد والمجتمع قد تكون محمودة أو مذمومة.
3- أن الأخلاق تعكس مجموعة من التصورات الأساسية التي يعتنقها الناس، ويصوغون حولها منظومات أخلاقية، نابعة من نفس التصورات تشكل الممارسات الخلقية.
4- أن الأخلاق تعتمد على:
- النظرة الإنسانية بإمكانياتها، وهو ما يُسمَّى عند البعض بالنور الفطري.
- الوحي السماوي ومحدداته الخلقية، وهو هنا الإسلام (قرآنًا وسنة). وباجتماع الأمرين ينتج الخلق الإسلامي الرفيع، ذلك أن الناس محتاجون على وجه التحديد إلى قاعدة صالحة للتطبيق على نظرته. ولهداية ضمائرهم، ولا أحد يعرف جوهر النفس، وشريعة سعادتها وكمالها، مع الصلاحية الكاملة، والبصيرة النافذة، غير خالق وجودها ذاته: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ} (الملك/14)(1).
5- أن الأخلاق الإسلامية التزام بما ورد في القرآن والسنة من إلزامات وتوجيهات إلهية تقتضي رفعة الإنسان والسمو به إلى آفاق علوية، وتحقيق إنسانية الإنسان بما هو على فطرته.
6- ويستلزم الالتزام الخلقي من الإنسان:
- معرفة فطرية بالمبادئ الخلقية الأساسية، والتصورات المنبثقة عنها.
- المعرفة العملية للأحكام الخلقية، والأدوار والمهارات اللازمة للحياة في المجتمع.
- الوعي الخلقي ليفكر الإنسان ويحكم بشكل خلقي ويتصرف طبقًا لهذا الحكم.
- الخبرة الموجبة للالتزام بالأحكام الأخلاقية التي تسهل السلوك الخلقي وترغِّب فيه.
وبهذه الأمور الأربعة يمكن أن يشكل خلق الإنسان تشكيلاً جيدًا.
__________
(1) محمد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن الكريم، ترجمة عبدالصبور شاهين، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1393هـ - 1973م، ص 33 - 34 .

(1/22)


7- أن الأخلاق لا يمكن أن تكون نتاج عقل، فالعقل يستطيع أن يختبر العلاقات بين الأشياء ويحددها، ولكنه لا يستطيع أن يصدر حكمًا قيميًّا عندما تكون القضية قضية استحسان أو استهجان أخلاقي، ذلك أن التحليل العقلي للأخلاق يختزلها، إلى طبيعة، وأنانية وتضخيم للذات، ويكتشف العقل في الطبيعة مبدأ السببية العامة الكلية والقدرة، وفي الإنسان الغرائز، التي تؤكد عبودية الإنسان وانعدام حريّته. إن محاولة إقامة الأخلاق على أساس عقلاني لا يستطيع أن يتحرك أبعد مما يُسمَّى بالأخلاق الاجتماعية أو قواعد السلوك اللازمة للمحافظة على جماعة معيَّنة، وهي في واقع الأمر نوع من النظام الاجتماعي(1).
ويؤكد هذه الفكرة الشيخ محمد عبدالله دراز، بقوله: [فإذا ما قيل لنا إننا نحن الذين نشرع لأنفسنا، بوصفنا أعضاء في عالم عقلي، وجب علينا أن نتفق على ذلك الاستقلال الذي خص به العقل].
ماذا تعني في الواقع هذه المقولة: [العقل يمنح نفسه قانونه]؟ هل هو مبدع العقل والقانون، أو أنه يتلقاه معدًّا، على أنه جزء من كيانه كما يفرضه على الإرادة.
ذلك لأنه إذا كان العقل مبدع القانون فإنه سوف يصبح السيد المطلق فيُبقي عليه أو يبطله تبعًا لمشيئته، فإذا لم يستطع ذلك فلأنه قانون سبق في وضعه وجود العقل، وأن صانع العقل قد طبعه فيه، كفكرة فطرية، لا يمكن الفكاك منها(2).
أما علم الأخلاق فله تعريفات عديدة من أهمها:
__________
(1) علي عزت بيجوفيتش: الإسلام بين الشرق والغرب، ترجمة محمد يوسف عدس، ط1، الكويت، مجلة النور، مؤسسة بافاريا للنشر والإعلان والخدمات، 1414هـ - 1994م، ص 186.
(2) محمد عبدالله دراز، دستور الأخلاق في القرآن، ص 35 .

(1/23)


1- علم الأخلاق هو جملة القواعد والأسس التي يعرف بواسطتها الإنسان معيار الخير في سلوك ما [أو مدى الفساد والشر المتمثل في سلوك آخر. والأخلاق كعلم معياري يكون وفق هذا المفهوم علمًا خاصًّا بالإنسان دون باقي المخلوقات وهو يشكل منهاجه السلوكي القائم على مجموعة من المبادئ والقيم التي تحكم قناعات الفرد](1).
2- علم الأخلاق هو علم تحديد معايير وقواعد السلوك أو هي علم التعرف على الحقوق والواجبات](2).
أما وجهة نظر القدماء فيمثلها التعريف التالي: الأخلاق [علم يعرف به حال النفس من حيث ماهيتها وطبيعتها وعلة وجودها وفائدتها وما هي وظيفتها التي تؤديها وما الفائدة من وجودها، وعن سجاياها وأميالها وما ينقلها بسبب التعاليم عن الحالة الفطرية، وذكر أن هذا أول علم تأسس منذ بدء الخليقة](3).
الأخلاق الإسلامية:
إن الأخلاق الإسلامية هي السلوك من أجل الحياة الخيرة وطريقة للتعامل الإنساني، حيث يكون السلوك بمقتضاها له مضمون إنساني ويستهدف غايات خيرة.
وقد عرف بعض الباحثين الأخلاق في نظر الإسلام بأنها عبارة عن [مجموعة المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني التي يحددها الوحي لتنظيم حياة الإنسان وتحديد علاقته بغيره على نحو تحقيق الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وجه](4).
ويتضح من هذا التعريف أن الأخلاق في نظر الإسلام هي جمع شامل في منظور متكامل بين مصدرها وطبيعتها ومغزاها الاجتماعي وغايتها.
__________
(1) أسعد الحمراني، الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة، ص 15.
(2) نقل أسعد الحمراني في المرجع السابق هذا التعريف عن معجم لاروس الصادر في باريس، 1931م.
(3) تهذيب الأخلاق لابن مسكويه، ص (ز).
(4) مقداد يالجين: التربية الأخلاقية الإسلامية، رسالة دكتوراه منشورة، ط1، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1977، ص75.

(1/24)


وللنظام الأخلاقي في الإسلام طابعان مميزان(1):
الأول: طابع إلهي من حيث أنه مراد لله، إذ أنه يجب أن يتبع الإنسان في هذه الحياة رغبة الله في خلقه، ولذلك جاء الوحي بصورة هذا النظام.
الثاني: طابع إنساني من حيث إن هذا النظام عام في بعض نواحيه يتضمن المبادئ العامة، وللإنسان دوره في تحديد واجباته الخاصة والتعرف على طبيعة مظاهر السلوك الإنساني المعبرة عن القيم. لذا تعد الأخلاق روح الإسلام، حيث يقول الرسول
J [البر حسن الخلق](2).
أصالة الفكر الأخلاقي عند المسلمين:
من الناس من يظن -وبعض الظن إثم- أنه لا يوجد فكر أخلاقي عند المسلمين، ومنهم من يجعل الفكر الفلسفي شاملا للفكر الأخلاقي في التراث الإسلامي، ومنهم من ينظر إلى الفكر الصوفي على أنه الفكر الأخلاقي المعتمد للمسلمين.
إن هذه الأطروحات المختلفة لا تلبث أن تتهاوى أمام حقيقة ناصعة البياض، وهي أن الفكر الأخلاقي قد وجدت أسبابه ودواعيه منذ تلك اللحظة التي أُمر فيها الرسول الكريم
J بـ[مكارم الأخلاق] (3)، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه قد تقرر عند العلماء أنه لا يوجد فكر ديني دون أن يكون هناك فكر أخلاقي انطلاقا من أن الفكر الديني هو الذي يحدد الإطار العام لأفكار معتنقيه، ويجيب عن التساؤلات الإنسانية الكبرى مثل خلق الإنسان والتدبر في نعم الله وآلائه، أما الفكر الخلقي فإنه يحدد أنماط السلوك التي يمارسها الإنسان في هذه الحياة، ومن المعروف أن الإسلام عقيدة وشريعة؛ فالعقيدة تتضمن الفكر والشريعة تتضمن أنماط السلوك تجاه المولى ـ عز وجل ـ كما في العبادات، أو تجاه النفس كما في العفة والطهر ونحوها، أو تجاه الآخرين كما في البر والصدقة والإيثار ونحو ذلك.
__________
(1) مقداد يالجين: التربية الأخلاقية الإسلامية، رسالة دكتوراه منشورة، ط1، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1977، ص75، 76.
(2) صحيح مسلم (16/110).
(3) انظر صفة حُسن الخُلُق، حديث رقم (8).

(1/25)


لقد وجد الفكر الأخلاقي عند المسلمين طريقة للتأثير على الفكر الأخلاقي على المستوى العالمي بوجه عام والفكر الغربي بوجه خاص، ولا يزال هذا الفكر مسيطرا على سلوك المسلمين في الحاضر، ويعمل على صياغة حياتهم في المستقبل، ولم يكن الأمر كذلك إلا لكون هذا الفكر الإسلامي فكرا كونيا يعالج قضايا الحياة الإنسانية من منظور يسمو على النواحي القومية والعرقية والإقليمية، وما ذلك إلاَّ [لأن الإسلام الذي ينبعث منه هذا الفكر هو دين كوني وشمولي من ناحية، ولأن ممارسة هذا التفكير في ظل الإسلام، وانطلاقا من القيم والثوابت الإسلامية تجعل هذا الفكر بالفعل فكرا عالميا أو إنسانيا، يؤمن به من يؤمن على هذا الأساس، أو ينكره على هذا الأساس](1)، من ناحية أخرى.
تطور الفكر الأخلاقي وثراؤه عند المسلمين:
إن أهم ما يميز هذا الفكر ويؤكد أصالته هو هذا التنوع الهائل، وذلك الكم الضخم من المؤلفات التي أسهم بها العلماء المسلمون في المجال الأخلاقي، وقد كانت هذه الجهود المباركة -شأنها شأن أي جهد علمي خلاَّق- قد بدأت صغيرة ثم كبرت، مختلطة بغيرها في البداية ثم استقلت.
لقد أرسى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة المفاهيم والقيم اللازمة لإقامة حياة سعيدة على الأرض، مع ضمان الجزاء الأوفى في الآخرة، وقد تفاعل الفكر الإنساني مع هذه المبادئ والقيم، سواء أكانت حضارية أو عقدية أو أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، وحاول التعامل معها، فقد دفع القرآن الكريم إلى الناس والعالم أجمع نظرة جديدة في الكون والحياة والمجتمع، وكانت هذه الجدة متمثلة في الوسطية والحيوية والحركة والتكامل.
__________
(1) محمد الكتاني، جدل العقل والنقل في مناهج التفكير الإسلامي ص13.

(1/26)


وتطور الفكر الإسلامي كوحدة متكاملة بعد استقرار المقومات الأساسية باكتمال نزول القرآن وانتقال الرسول محمد J إلى الرفيق الأعلى، ومن ثَم ظهرت علوم كثيرة، في العقائد، والأحكام، واللغة، والأدب، والنحو والصرف، والاشتقاق والمعاني والبديع، والبيان، والحديث والتفسير، والأصول، والعلوم التجريبية. ولعل أبرز إنجاز في هذا المجال، والذي استطاع الفكر الإسلامي أن يبحث به كل هذه العلوم هو المنهج: منهج البحث، والذي استُنبط من تعليمات القرآن، في دعوتها الإنسان للعلم واستخدام العقل: دعوتها الإنسان إلى تخليص النفس من أثر كل رأي وعقيدة سابقة، ثم البحث والملاحظة والنظر والموازنة والاستنباط، كل ذلك في إطار حرية العقل والفكر، فلم يترك القرآن وسيلة تهدف إلى تحرير الفكر إلا دعا إليها، ليقيم الإيمان والتدين على أساس راسخ من الفكر الدقيق واليقين المستوعب.
على هذه الأسس انطلق الفكر الإسلامي منتجا ومستوعبا ومواجها ومتحديا في كافة المجالات، وكانت حصيلة ضخمة خلّفها الفكر الإسلامي، وهي تبدو الآن ذخيرة حية، يمكنها أن تمد الحياة المعاصرة وحضارتنا بقوى روحية وعقلية كبيرة، ونحن نقف إزاءها موقف الإكبار والإعجاب.
وسوف نعرض في الفقر التالية لأهم الأعمال والمؤلفات الأخلاقية التي أسهم بها العلماء المسلمون في مجالي القيم والأخلاق الإسلامية، مما يؤدي إلى البرهنة على أن الفكر الإسلامي فكر أصيل، وأنه قد تطور تطورا طبيعيا، وأنه أسهم في مجال الفكر الخلقي على المستوى العالمي.
الاهتمامات المبكرة:
ظهرت الاهتمامات المبكرة بالفكر الأخلاقي منذ عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- والتابعين - رحمهم الله تعالى- في شكل وصايا ونصائح، أو في شكل تفسير الآيات المتعلقة بالأخلاق في القرآن الكريم.

(1/27)


وفي القرن الثاني الهجري بدأت الأعمال العلمية المنظمة في مجال العلوم الفقهية التي تضمنت إشارات واضحة إلى المجال الأخلاقي، وقد تمثلت هذه الجهود في أعمال المجتهدين الكبار من أمثال الإمام أبي حنيفة النعمان (ت150هـ)، والإمام مالك بن أنس (ت 179)، والإمام الشافعي (ت204هـ)، والإمام أحمد بن حنبل (ت241)، وقد كان هؤلاء بذواتهم قدوة، وكان ما توصلوا إليه من أحكام شكلا من أشكال الحكم الخلقي الذي ينظم حياة الناس طبقا لاجتهادات شرعية على كافة مستويات الحياة من فردية وأسرية واجتماعية، وقد كانت اجتهادات هؤلاء الأئمة مصابيح أضاءت الطريق في المجتمع الإسلامي في إطار معياري أخلاقي سليم(1).
وفي القرن الثالث الهجري ظهرت بواكير الأعمال العلمية التي خصصها مؤلفوها للحديث عن موضوعات أخلاقية، وهنا يبرز [الجاحظ] كرائد من رواد التأليف في هذا المجال، ومن مؤلفاته البارزة [تهذيب الأخلاق].. ورسالة في كتمان السر وحفظ اللسان، ورسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ورسالة في المودة والخلطة وأخرى في الجد والهزل(2)، هذا بالإضافة إلى ما تضمنته كتاباته الأخرى مثل [البيان والتبيين] و[البخلاء] و[الحيوان] إذ تضمنت العديد من الوصايا الخلقية التي برزت في شكل أدبي جذاب.
__________
(1) انظر في ذلك على سبيل المثال: ناجي الصاعدي، المضامين التربوية لفكر الإمام أبي حنيفة (رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة 1408هـ) ص166 وما بعدها. وانظر أيضًا: فاطمة محمد السيد علي، الفكر التربوي عند الإمام الشافعي (رسالة ماجستير، كلية التربية بالمنوفية 1401هـ) ص151 - 161.
(2) انظر رسائل الجاحظ التي حققها ونشرها عبدالسلام هارون، القاهرة، د. ت.

(1/28)


وفي نفس الفترة (تقريبا) ظهرت الموسوعات الأدبية والتاريخية التي ضمنها مؤلفوها أبوابا في الأخلاق، من ذلك ما كتبه ابن قتيبة (ت276هـ) عن الطبائع والأخلاق في موسوعة [عيون الأخبار]، وقد تتابع تأليف هذه الموسوعات في القرون التالية(1).
مدرسة النظر العقلي:
لقد بدأ بزوغ هذه المدرسة في الفكر الفلسفي عامة والأخلاقي خاصة منذ منتصف القرن الثالث الهجري، وقد كانت إسهامات هؤلاء ذات قيمة عالية في المجال الأخلاقي وكان دورهم واضحا في أمرين:
الأول: أنهم استوعبوا الثقافة اليونانية وعدلوا فيها وأضافوا إليها كثيرا من الفكر الأخلاقي عند المسلمين.
الآخر: أنهم حفظوا هذه الثقافة من الضياع ثم أعطوها للعالم مرة أخرى بعد تجريدها من النزعات الوثنية اليونانية، ويذكر في هذا الإطار:
- يعقوب بن إسحاق الكندي (ت260هـ)، وله في الأخلاق [القول في النفس].
أبوبكر الرازي (ت 313هـ) وله في المجال الأخلاقي كتاب [الفقراء والمساكين].
- الحكيم الترمذي (ت320هـ) وكان عالما بالحديث وأصول الفقه، ومن مؤلفاته في الأخلاق [كتاب الذوق] ويتضمن الفرق بين المداراة والمداهنة، والمحاجة والمجادلة والانتصار والانتقام، وله أيضا [الرياضة وأدب النفس] وكتاب المناهي، وغيرها.
- أبونصر الفارابي (ت339هـ) (محمد بن أحمد) ويعرف بالمعلم الثاني، ومن مؤلفاته في الأخلاق[ آراء أهل المدينة الفاضلة]، [الآداب الملوكية].
ابن مسكويه (ت 421هـ)، ومن أشهر مؤلفاته في الأخلاق، كتاب[ تهذيب الأخلاق] في التربية.
__________
(1) انظر على سبيل المثال: العقد الفريد لابن عبدربه (ت: 328هـ)، ومحاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني (ت: 502هـ)، وربيع الأبرار للزمخشري (ت: 538هـ).

(1/29)


- ابن سينا (ت 428هـ)، قال عنه الإمام ابن تيمية: تكلم في أشياء من الإلهيات والنبوات والميعاد والشرائع لم يتكلم بها سلفه ولا وصلت إليها عقولهم، ولا بلغتها علومهم، وأنه استفادها من المسلمين(1)، ومن مصنفاته في الأخلاق [رسالة في الحكمة]، [كتاب الطير] في الفلسفة، [أسرار الصلاة]، [الانصاف] في الحكمة(2).
- ابن باجة الأندلسي (ت533هـ) المعروف بابن الصائغ، وقد شرح كتب أرسطو، وله كتب عديدة منها: [اتصال العقل]، [كتاب النفس].
- ابن الطفيل (محمد بن عبدالملك)، وهو صاحب قصة [حي بن يقظان] وله في المجال الأخلاقي رسالة [في النفس].
- ابن رشد (ت595هـ) ومن كتبه في الأخلاق: [فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال]، وقد ترجمت كتبه إلى اللاتينية والعبرية والإسبانية(3).
إن هؤلاء جميعا وإن تأثروا بالفلسفة اليونانية، إلاَّ أنهم لم يقتصروا عليها، وإنما أضافوا إليها ونقوها من شوائبها، ثم أخذها عنهم الأوروبيون منذ مستهل عصر نهضتهم.
المدرسة الإسلامية الخالصة:
يقصد بالمدرسة الإسلامية الخالصة في المجال الأخلاقي ما أبدعته عقلية الفقهاء والمحدثين والزهاد في مجال التربية والسلوك اللذين يستمدان أصولهما من قواعد الشريعة الإسلامية ويستلهمان مبادئهما من الكتاب والسنة وغيرهما من المصادر الإسلامية الخالصة مثل الإجماع والقياس(4)، وهذه المؤلفات وإن لم تغرق في المباحث النظرية المجردة إلا أنها أسهمت بنصيب وافر في مجال السلوكيات والأخلاق العملية، وسنعرض -بإيجاز- لأهم علماء هذه المدرسة وأبرز مؤلفاتهم في المجال الأخلاقي.
__________
(1) انظر كلام ابن تيمية في كتاب [الأعلام] لخير الدين الزكلي، جـ2 ص241.
(2) المرجع السابق نفسه، والصفحة نفسها.
(3) راجع في جهود هؤلاء ومصنفاتهم، كتاب [الأعلام] للزركلي، وقارن بالمراجع العديدة المذكورة فيه، وقد رتبت أسماؤهم في الأعلام ترتيبًا أبجديًّا
(4) انظر مصادر الإلزام الخلقي في الإسلام.

(1/30)


1- ابن المبارك (ت 181هـ) وله كتاب الزهد، وهو كتاب مليء بالتوجيهات الخلقية، وأدلتها من القرآن والسنة وأقوال التابعين خاصة الزهاد منهم.
2- وكيع بن الجراح (ت 197هـ)، وله أيضا كتاب [الزهد] وقد رتبه على الأبواب، وضمنه أحاديث الزهد والرقائق والأدب والأخلاق.
3- الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) وله كتابا: [الزهد] و[الورع] وقد سلك فيه مسلك ابن المبارك.
4- هنَّاد بن السَّرِي (ت 243هـ) وله أيضا كتاب الزهد وقد تلمذ على الإمام وكيع بن الجراح وتأثر به.
وقد تناولت هذه المصنفات في [الزهد] الحث على مكارم الأخلاق والزهد في الدنيا والتطلع إلى ثواب الله في الآخرة، ومادتها تتكون من القرآن الكريم والحديث الشريف وآثار السلف الصالح(1).
5- أبوعبدالله المحاسبي (ت 243هـ)، وكانت جهوده في المجال الأخلاقي متنوعة، فكتب في الوصايا، وآداب النفس، ورسالة المسترشدين والرعاية لحقوق الله، والتوبة، وقد تضمنت هذه المؤلفات نقودا لاذعة للسلوكيات الشائنة في عصره، ودعوة للرجوع إلى الكتاب والسنة.
6- الإمام البخاري (ت 256هـ)، وهو صاحب الجامع الصحيح (صحيح البخاري)، وله في الأخلاق [كتاب الأدب المفرد]، تعرض فيه لجمع الأحاديث المتعلقة بالآداب والأخلاق، ويعد هذا الكتاب من أسبق ما ألفه علماء الحديث في المجال التربوي والأخلاق الإسلامية.
__________
(1) حصر بعض الباحثين من هذه المؤلفات ما يربو على ستين مرجعًا، وربما فاته كثير منها. انظر في ذلك: مقدمة كتاب الزهد للإمام وكيع بن الجراح بتحقيق عبدالرحمن بن عبدالجبار الفريوائي، المدينة المنورة 1404هـ، وراجع: فؤاد سزكين، تاريخ التراث العربي، جـ4 في العقائد والتصوف

(1/31)


7- ابن أبي الدنيا (ت 281هـ) ويعد من أبرز المؤلفين في الأخلاق والتربية الإسلامية، وقد تبحر أيضا في علوم الحديث، ومن أهم مصنفاته في التربية والأخلاق: [الإخلاص]، [الأمر بالمعروف]، [ الحذر والشفقة]، [ذكر الموت]، [ذم الغضب]، [الرضا عن الله والصبر على قضائه]، [الغيبة والنميمة]، [القناعة]، [الصمت وآداب اللسان] وغيرها مما يتضمن محمود الأخلاق ومذمومها(1)، وتمتاز هذه المصنفات بالوحدة الموضوعية، وجودة الترتيب، ونسبة الآثار والأقوال لأصحابها. مع الاعتناء الكامل بذكر الشواهد من القرآن الكريم والحديث الشريف.
8- الإمام النسائي (ت 303هـ)، ويعد كتابه [عمل اليوم والليلة] من أهم المساهمات التي قدمها علماء الحديث في الميدان الأخلاقي، إذ تضمن صفة الذكر في الصباح والمساء، ثم تناول جزئيات الحياة اليومية من صلاة وصيام وجهاد والوضوء ودخول المسجد، والبيع والشراء، وعيادة المرضى وغير ذلك مما يتناول تفصيل الحياة اليومية، الفردية والأسرية والاجتماعية،والكتاب في الواقع هو معجم للمثل والقيم الإسلامية.
9- أبوبكر الخرائطي (ت327هـ) وأبرز مؤلفاته كتابان: أحدهما [مكارم الأخلاق ومعاليها] والثاني [مساوئ الأخلاق ومذمومها وطرائق مكروهها] وكما يتضح من عنوان الكتابين أنهما يعنيان بسلوك المسلم إن إيجابا باتباع الأخلاق الحميدة المأمور بها، وإن سلبا باجتناب الأخلاق المذمومة المنهي عنها.
10- أبوبكر الآجري (ت360هـ)، وله في المجال الأخلاقي مصنفات عديدة منها: [أخلاق حملة القرآن]، و[أخلاق العلماء]، و[أدب النفس]، و[كتاب أهل البر والتقوى]، و[كتاب التوبة]، و[كتاب التهجد]، وغيرها كثير، وقد أجمل في هذه الكتب الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها العلماء وحملة القرآن والمسلمين بوجه عام.
__________
(1) انظر في مصنفات ابن أبي الدنيا مقدمة تحقيق كتابه: الصمت وآداب اللسان للأستاذ نجم عبدالرحمن خلف (بيروت: 1406هـ)، ص 19 وما بعدها.

(1/32)


11- ابن السني (ت364هـ) وله كتاب [عمل اليوم والليلة] ويتضمن (مثل كتاب النسائي) قواعد السلوك الخلقي للمسلم في يومه وليلته، ومن ثم في حياته كلها.
12- أبوطالب المكي (ت386هـ) وفي كتابه [قوت القلوب] آداب أخلاقية عديدة كالأخوة والصداقة والمودة والمحبة، كما تناول الأخلاق الأسرية والتوافق العائلي وغيرها، وقد تأثر مكي بالمحاسبي تأثرا كبيرا، كما أثر في فكر الغزالي خاصة في [إحياء علوم الدين](1).
13- أبوعبدالله الحليمي (ت 403هـ) وقد تناول الأخلاق من منظور شعب الإيمان في كتابه [المنهاج في شعب الإيمان] ضم سبعة وسبعين بابا، وقد اكتفى بذكر متون الأحاديث الواردة في كل شعبة، كما ذكر الآثار، وكان من دوافعه لتأليف هذا الكتاب ما رآه من اشتغال جمهور الناس عن العلوم بالتبقر (التوسع) في الأهل والمال، والتهافت في الحرام والحلال والتنافس في رتب الدنيا، والتغافل عن درج الآخرة](2).
14- ابن حزم الأندلسي (ت421هـ) وكتابه [الأخلاق والسير في مداواة النفوس] يقدم نموذجا من التجربة العملية التي تؤكد إمكانية مقاومة الرذائل.
15- أبوزيد الدبوسي (ت430هـ)، ويعد كتابه [الأمد الأقصى] من أهم الكتب في المجال الأخلاقي حيث تناول العلل النفسية والقلبية التي تحبط الأعمال، كالرياء والعجب ونحوهما(3).
__________
(1) يُرْجَع في تأثر مكي بن أبي طالب وتأثيره مقدمة كتاب العقل وفهم القرآن للمحاسبي التي كتبها حسين القوتلي ص86 - 91، ومقدمة قوت القلوب التي كتبها عبدالمنعم الحفني ص 5 - 22 .
(2) يُنظر في أهداف التأليف مقدمة الحليمي للمنهاج، ت. حلمي فوده، ص 3 - 15.
(3) انظر مقدمة الأمد الأقصى، ت: محمد عبدالقادر عطا (بيروت: 1405هـ).

(1/33)


16- أبوالحسن الماوردي (ت540هـ) وله كتابات مهمة في علم الأخلاق مثل أدب الدنيا والدين، ونصيحة الملوك، وتسهيل النظر وتعجيل الظفر، ويحفل كتابه [أدب الدنيا والدين] بالمباحث الأخلاقية كالحياء والصدق، وآداب الكلام والصبر والشورى، وكتمان السر، والمروءة، كما تضمنت مباحثه أيضا الأخلاق المذمومة من نحو الكذب والغيبة والنميمة، أما الكتب الأخرى فقد تضمنت العلاقة بين الأخلاق وسياسة الناس، وهذا مبحث فريد مميز في فكر الماوردي(1).
17- البيهقي (ت458هـ) وله [شعب الإيمان] وقد تحرى فيه ذكر الأحاديث بأسانيدها وأشار إلى درجة صحتها، وقد عقب على أحاديث كل شعبة بانطباعاته العقدية وآرائه الفقهية، وبلغت مروياته من الأحاديث والآثار 11269 حديثا وأثرا، ويعد كتابه من الكتب الجامعة في مجال الأخلاق.
18- الراغب الإصفهاني (ت502هـ)، وله مؤلفات عديدة في موضوع الأخلاق منها: [تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، و[الذريعة إلى مكارم الشريعة] وقد تضمن كتابه [محاضرات الأدباء] مباحث أخلاقية عديدة، وقد أولى الجانب النظري للأخلاق اهتماما كبيرا، وكان فكره إسلاميا خالصا.
19- أبوحامد الغزالي (ت505هـ) ويعد من أشهر من تحدث عن الأخلاق في التراث العربي نظرًا لشهرة كتابه الموسوعي [إحياء علوم الدين، وله في المجال الأخلاقي أيضا [ميزان العمل]، ويجمع فكره الأخلاقي أطراف وخيوط مذاهب أخلاقية عديدة، وقد اختلف الناس في تقويم آرائه اختلافا كبيرا.
__________
(1) انظر في ذلك: تسهيل النظر وتعجيل الظفر للماوردي، ت. محيي هلال السرحان، بيروت، 1953، وأيضًا أدب الدنيا والدين له، بتحقيق مصطفى السقا، بيروت، 1978م، (ط. رابعة)، وقارن بما كتبه علي خليل مصطفى في كتابه: [قراءة تربوية في فكر أبي الحسن الماوردي) ط. أولى، المدينة المنورة 1411هـ.

(1/34)


20- ابن الجوزي (ت596هـ)، ومن مؤلفاته في هذا المجال [صفة الصفوة] وقد تضمن وصايا أخلاقية عديدة من خلال التراجم التي قدمها، وله أيضا [صيد الخاطر].
21- الحافظ المنذري (ت656هـ)، ويعد كتابه [الترغيب والترهيب] من أهم الكتب التي صنفت في الشريعة وفقا للمجالات الأخلاقية، إن حسنة بالترغيب فيها، وإن سيئة بالترهيب منها.
22- العز بن عبدالسلام (ت660هـ)، وله في الأخلاق كتابه القيم [شجرة المعارف والأصول] الذي يحتوي على عشرين بابا، يستهدف منها إصلاح القلوب لأنها منبع كل إحساس.
23- الإمام النووي (ت676هـ)، وكتابه [رياض الصالحين] تضمن أبوابا في الأخلاق من خلال الآيات والأحاديث التي استشهد بها.
24- ابن تيمية (ت728هـ)، وتتمثل أهم جهوده في ميدان التربية والأخلاق في [مجموع الفتاوى] وقد استخرج بعض الباحثين ما كتبه شيخ الإسلام عن الأخلاق(1)، كما استطاع باحث آخر أن يستخلص أسس النظرية الأخلاقية عند ابن تيمية، فتحدث عن وهبية الأخلاق وكسبيتها، ومصدر الإلزام الخلقي، وغيرها من مباحث توضح الفكر الأخلاقي عنده(2).
25- الذهبي (ت 748هـ)، ويعد كتابه عن [الكبائر] متعلقا بالجانب السلبي للأخلاق، حيث أوضح الأخلاق المذمومة التي تعد من كبائر الذنوب وذكر من الآيات والأحاديث ما يدل على غلظ العقوبة فيها.
26- ابن قيم الجوزية (ت751هـ) وله إسهامات عديدة في مجال الأخلاق نذكر منها: الفوائد، ومدارج السالكين، وعدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، وإعلام الموقعين، والداء والدواء، وإغاثة اللهفان، وقد تناول في هذه الكتب أسس علم الأخلاق.
__________
(1) انظر: كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية [مكارم الأخلاق]، إعداد عبدالله بدران، وحمد عمر الحاجي، مكة المكرمة، 1414هـ .
(2) انظر: [النظرية الخلقية عند ابن تيمية]، الرياض، 1408هـ، من تأليف محمد عبدالله عفيفي.

(1/35)


27- ابن مفلح (ت 763هـ)، وقد طرح فكره الخلقي من خلال كتابه المشهور [الآداب الشرعية والمنح المرعية) وفيه الكثير عن الفضائل الخلقية التي يجب أن يتحلى بها المسلم.
28- ابن حجر المكي الهيتمي (974هـ) ويمثل كتابه [الزواجر عن اقتراف الكبائر] جهدا لا غنى عنه في توضيح كبائر الذنوب التي ينبغي أن يبتعد عنها كل مسلم.
29- السفاريني الحنبلي (ت 1188هـ)، وله في المجال الأخلاقي كتاب غذاء الألباب، وهو شرح لمنظومة الآداب(1)، وقد تضمن الحديث عن حسن الخلق إجمالا، ومكارم الأخلاق تفصيلا، مثل: البر وحسن الظن، ونحو ذلك، وتناول أيضا مذموم الأخلاق مثل الغيبة وآفات اللسان، والفحش ونحو ذلك، وقد تناول الحكم الفقهي لمعظم ما تناوله من الفضائل أو الرذائل.
__________
(1) منظومة الآداب، قصيدة تحتوي آداب السلوك، وفضائل الأخلاق نظمها العلامة شمس الدين محمد بن عبدالقوي المرداوي (ت: 630هـ).

(1/36)


وفي العصر الحديث تتابعت جهود العلماء في الكشف عن الخصائص الأخلاقية والقيم التربوية في الإسلام وعلى رأس هذه الجهود يأتي كتاب الشيخ محمد عبدالله دراز [دستور الأخلاق في القرآن الكريم](1)، والشيخ محمد الغزالي في كتابه [خلق المسلم] وكتابه [هذا ديننا] وغير ذلك من مؤلفاته الأخلاقية، وقد صدر بعض الباحثين أطروحته للدكتوراه التي أعدها عن [الأحكام القيمية الإسلامية] باستعراض المؤلفات الحديثة في مجالي الأخلاق والتربية الإسلامية، وقد وصلت إلى ثلاث عشرة دراسة، منها: منهج القرآن في تربية المجتمع لعبد الفتاح عاشور، الاتجاه الأخلاقي في الإسلام لمقداد يالجن، والتربية الأخلاقية الإسلامية له أيضا، فلسفة التربية الإسلامية في القرآن الكريم لعلي خليل أبوالعينين، والتربية الخلقية في الإسلام لسلوى رمضان وغير ذلك(2).
وخلاصة القول: أن هناك مؤلفات إسلامية عديدة ومتنوعة في المجال الأخلاقي، وبنظرة تحليلية إلى هذا الكم الهائل من مؤلفات يمكن استخلاص أهم ما تضمنته هذه المؤلفات في النقاط والموضوعات الآتية:
1- معنى الأخلاق وضرورتها وأهميتها في حياة الفرد والمجتمع وكل ما يتعلق بذلك من مباحث نظرية أو سلوكية.
2- إصلاح النفس وإصلاح الجسد وإصلاح الأسرة، بل إصلاح المجتمع بأسره.
3- الأخلاق في المجال السياسي وهي ما يترتب عليه إصلاح المجتمع البشري كله.
4- الأخلاق التي يجب أن تكون عليها العلاقة بين الإنسان وخالقه عز وجل.
5- الأخلاق النوعية كأخلاق العلماء وأهل القرآن.
__________
(1) أصل هذا الكتاب دراسة بالفرنسية لنيل درجة الدكتوراة، وقد ترجمه إلى العربية الدكتور عبدالصبور شاهين.
(2) انظر في تفصيل الدراسات الحديثة في المجال الأخلاقي والتربية [الأحكام القيمية الإسلامية] لعبدالودود مكروم ص28 - 43، (رسالة دكتوراة مخطوطة بكلية التربية بالمنصورة، مصر 1987م).

(1/37)


6- الأخلاق السلبية التي ينبغي أن يتخلى عنها الأفراد والمجتمع والتي هي بمثابة الأمراض الفتاكة التي لابد من محاربتها والقضاء عليها والوقاية منها ومعرفة كيفية معالجتها.
القيم الإسلامية:
يكثر استخدام مصطلح [القيم والقيمة والأحكام القيمية] في المجال التربوي، وذلك إلى جانب المصطلح [أخلاق]، وقد ذكرنا فيما سبق ما يتعلق بمفهوم الأخلاق، فما معنى القيم؟
القيم في اللغة:
لفظ القيم في اللغة جمع قيمة وأصلها الواو(1)، لأنها من مادة (ق و م)، التي تدل على انتصاب أو عزم، يقول ابن منظور والقيمة ثمن الشيء بالتقويم، و(سمي الثمن قيمة) لأنه يقوم مقام الشيء يقال: كم قامت ناقتك أي كم بلغت، وقد قامت الأَمَةُ مائة دينار أي: بلغ قيمتها مائة دينار(2)، وفي الحديث: قالوا يا رسول الله لو قوَّمت لنا، فقال: الله هو المقوِّم أي لو سعَّرت لنا، وهو من قيمة الشيء، والمراد حددت لنا قيمتها(3).
وقد ورد لفظ [قيم] أيضا مرادا به جمع قامة، وذلك مثل تارات وتير، وذلك كما في قول الراجز:
واختلفت أمراسه وقيمه.
كما ورد أيضا مصدرا لقام، مثل الصغر والكبر، ومعناه حينئذ الاستقامة، وذلك كما في قول كعب بن زهير:
فهم ضربوكم حين جرتم على الهدى…بأسيافهم حتى استقمتم على القيم
وقال حسان:
وأشهد أنك عند المليـ……ـــك، أرسلت حقا بدين قيم
قال الزجاج: القيم مصدر بمعنى الاستقامة(4).
__________
(1) المراد أن أصلها قِوْمة فقلبت الواو ياء لسكونها وكسر ما قبلها.
(2) لسان العرب 21/500.
(3) النهاية لابن الأثير 4/124.
(4) لسان العرب 12/502 - 503 (باختصار وتصرف).

(1/38)


ومن ذلك [القيم] في قوله عز وجل: {دِينًا قِيَمًا} (الأنعام/161) قال القرطبي في تفسيره: قرأه الكوفيون وابن عامر [قيما] وهو مصدر كالشبع فوصف به(1)، (كما يقال رجل عدل)، وقرأ الباقون [قيما]، ومعناه: دينا مستقيما لا عوج فيه(2)، قال الراغب{دِينًا قِيَمًا}: أي ثابتا مقوما لأمور معاشهم ومعادهم(3)،،أما قوله عز وجل: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ] (البينة/5) . فقد قال ابن كثير في تفسيرها: دين الملة القائمة العادلة أو الأمة المستقيمة المعتدلة(4)، وقيل المراد دين الكتب القيِّمة(5)، أما وصف الكتب بأنها قيمة فمعناه كما قال الماوردي: كتب الله المستقيمة التي جاء القرآن بذكرها وثبت فيه صدقها، أو فروض الله (المكنونة) العادلة(6).
ولعل أقرب الاستعمالات اللغوية إلى القيم بمعناها السائد الآن هو ما ذكره صاحب القاموس من قولهم: فلان ما له قيمة: إذا لم يدم على شيء](7). وقول صاحب أساس البلاغة: القيمة ثبات الشيء ودوامه(8)، وهما يشيران بذلك إلى أن القيمة ترد بمعنى الأمر الثابت الذي يحافظ عليه الإنسان ويستمر في مراعاته.
ماهية القيم:
لقد تعددت الاتجاهات واختلفت المدارس العلمية في تحديد مفهوم القيمة و من ثَم فإن المعنى الاصطلاحي للقيمة يختلف باختلاف الاتجاهات والآراء وسنحاول فيما يلي إبراز أهم هذه المفاهيم حتى نصل بعد ذلك إلى تحديد واضح لمفهوم القيم الإسلامية.
__________
(1) ويُراد بذلك دينا ذا استقامة.
(2) تفسير القرطبي 7/152.
(3) المفردات للراغب ص417.
(4) تفسير ابن كثير 4/574، وهو يشير بالمعنى الأول إلى أن قيمة صفة المحذوف هو الملة، وبالثاني إلى أن المحذوف هو الأمة.
(5) هذا وجه ثالث نقله القرطبي عن محمد الطالقان، وهو يشير بذلك إلى ما جاء في الآية الثالثة من السورة الكريمة {فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} انظر: تفسير القرطبي 20/144.
(6) النكت والعيون 6/316.
(7) القاموس المحيط ص1487 (ط. بيروت).
(8) أساس البلاغة للزمخشري، ص528.

(1/39)


أ - في المجال الاقتصادي تعرف القيمة بأنها [قيمة التبادل أي السعر المقرر للسلعة، ويميزون بين القيمة والسعر على أساس أن القيمة حقيقية أما السعر فاعتباري، وذلك راجع إلى التراضي بين المتبادلين للسلعة، ولهذا تكون القيمة أحيانا أكثر أو أقل من السعر(1).
ب - وأما في المجال السياسي فتعني اكتشاف المسلمات القيمية الضمنية التي تشكل السلوك السياسي، والتي تعد عوامل تفسيرية(2).
جـ- واهتم بدراسة القيم علم النفس، وعلم الاجتماع كل من زاويته ورؤيته، واتضح أن هناك مفاهيم للقيمة تضم جوانب معنوية تتعلق بموضوعات معينة، تعرضت لها تعريفات ومفاهيم، تراوحت بين التحديد الضيق للقيم على أنها [مجرد اهتمامات أو رغبات غير ملزمة] إلى تحديدات واسعة [يراها معايير مرادفة للثقافة ككل](3).
ولعل التعريف التالي يوضح مفهوم القيمة لدى المختصين في علم النفس الاجتماعي وهو:
د- [القيمة معيار اجتماعي ذو صيغة انفعالية قوية وعامة، تتصل من قريب بالمستويات الخلقية التي تقدمها الجماعة ويمتصها الفرد من بيئته الاجتماعية الخارجية ويقيم منها موازين يبرر بها أفعاله، ويتخذها هاديا ومرشدا](4)،(5).
هـ- أما مفهوم القيمة عند علماء أصول التربية فمن الممكن تصوره من خلال ما كتبه بعض الباحثين التربويين قائلا:
__________
(1) عبدالرحمن بدوي، الأخلاق النظرية، ط2، الكويت، 1975م، ص 79.
(2) محمد أحمد بيومي، علم اجتماع القيم، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1990م
(3) ضياء زهار، القيم في العملية التربوية، ص10.
(4) فؤاد البهي السيد، علم النفس الاجتماعي، ص94.
(5) هناك تعريفات أخرى للقيمة لا تخرج عما ذكر منها أن القيمة مرادف للاصطلاح نافع أو لائق (فوزية دياب، القيم والعادات الاجتماعية) ص21. وهناك من يرى أن القيم تكمن في اللذة أو الألم الذي يشعر به الإنسان ومن ثم تكون القيمة كل ما أحدثت لذة أو ألمًا، انظر: المرجع السابق، ص23).

(1/40)


القيمة هي [محطات ومقاييس نحكم بها على الأفكار والأشخاص والأشياء والأعمال والموضوعات والمواقف الفردية والجماعية من حيث حسنها وقيمتها والرغبة بها، أو من حيث سوءها وعدم قيمتها وكراهيتها، أو من منزلة معينة ما بين هذين الحدين](1).
ز - وهناك تعريفات أخرى للقيمة لا تنتمي إلى أي من الاتجاهات السابقة نذكر منها:
- القيم عبارة عن [مستوى أو مقياس أو معيار نحكم بمقتضاه ونقيس به ونحدد على أساسه المرغوب فيه والمرغوب عنه](2).
- القيم عبارة عن مفهوم أو تصور ظاهر أو ضمني يميز فردًا أو يختص بجماعة، لما هو مرغوب فيه وجوبا مما يؤثر في انتقاء أساليب العمل ووسائله وغايته](3).
ويلاحظ في كل المفاهيم السابقة أن القيم تتمتع بالخصائص أو الموجهات الآتية:
1- أنها عناصر توجيه في الحياة تعكس توجُّها معينا حيال نوع معين من الخبرة.
2- أنها تحمل صفة الانتقائية.
3- أن الاختيار الذي تفرضه القيمة على الفرد في مجال التعامل يعد أفضل اختيار له.
وإذا نظرنا إلى هذه التعريفات المختلفة من وجهة النظر الإسلامية فإنه يمكن القول: إنها جميعا لا تعدو أن تكون اجتهادات نابعة من تخصص أصحابها، ومن ثم فإنه يلاحظ عليها ما يلي:
1 - أن هذه المفاهيم تعبر عن بيئاتها وثقافتها التي نشأت فيها، وهى مختلفة متعددة، ومع هذا فإن فيها ما قد يتوافق مع البيئة العربية الإسلامية وفيها ما لا يتوافق.
__________
(1) ماجد الكيلاني، فلسفة التربية الإسلامية، ص299.
(2) محمد إبراهيم كاظم، التطور القيمي وتنمية المجتمعات الدينية، ص 111.
(3) جابر عبدالحميد وسليمان الخضري، دراسات نفسية في الشخصية العربية، ص 228.

(1/41)


2 - أقامت المفاهيم المختلفة ـ رغم تفاوتها واختلافها ـ من الفرد أو المجتمع مصادر للقيم، وجعلت الحكم على الأفعال يتأتى من قبل الإنسان فقط، يحكم عليها من خلال منفعتها الآنية أو ضررها الآنِيِّ، بغض النظر عن الخير أو الشر الكامن فيها، والإنسان لا يمكنه إدراك الحسن والقبح بعقله المحض، كما أنه لا يدركها إدراكا جامعا قبل الفعل أو بعده. ثم إن الإنسان بحكم نسبيته عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض، فقد يحكم على الفعل بالحسن تارة وبالقبح تارة، تبعا للظروف، أما الحكم الموضوعي الحقيقي فلا يستطيعه، لأن الذي يستطيع أن يزود الإنسان بهذا على وجه الحقيقة هو الدين السماوي، وهذا ما لم يرد في تعريف أو مفهوم حتى لدى الباحثين العرب.
3 - إن هذه المفاهيم ناتجة عن عقلية وضعية خاصة، ومن ثم لا تكاد تفي بفهم القيم الإسلامية نظرا لأن الرؤية الإسلامية تلتزم بالتصورات الإسلامية الأساسية، وهى منبثقة من دلالات النص القرآني الكريم، والنص النبوي الصحيح، ولأن وصف الفعل الإنساني والحكم عليه إنما يصدر عنهما بعد النظر فيهما لاستجلاء الأحكام التي تشتمل عليها هذه النصوص، في إطار هدف محدد وهو استجلاء [المراد الإلهي في تحديد أفعال الإنسان دون أن يكون له أي مدخل في الإضافة الذاتية بما يؤثر على ذلك المراد بالزيادة أو النقصان أو التغيير](1).
والأمر إذًا: ليس خاضعا للوضعية العقلية الذاتية الصرف، وإن كان لها اعتبارها الخاص في فهم النص وتنزيله.
__________
(1) عبدالمجيد النجار، خلافة الإنسان بين الوحي والعقل، ص82.

(1/42)


4 - إن هذه المفاهيم تختلف عن الرؤية الإسلامية والنهج الإسلامي الذي يرى أن أعمال الإنسان ليست هدفاً في حد ذاتها، بل ترتبط بالله وتتجه نحو مرضاته، وإن لم يتحقق من هذا العمل أو ذاك نفع مباشر أو مصلحة عاجلة، أو لذة آنيَّة . لأن الله تعالى هو وحده المتفرد بخلق الإنسان، ولهذا فهو متفرد بكمال العمل بما خلق في طبيعته وقدراته ونوازعه وحاجاته، وبناء على ذلك فهو متفرد بوضع منهاج الحياة له على الوجه الذي يكون فيه خيره، وسعادته وترقيه في كافة شئون حياته الفردية والاجتماعية، وبذلك يكون الأساس والمعيار الأوحد فيما يأتي الإنسان ويذر فكرا أو سلوكا هو ميزان البيان الإلهي، ائتمارا بما أمر الله، وانتهاء عما نهى عنه(1).
5 - إن هذه المفاهيم لا تعبر عن المقاصد الكلية للحياة، وإنما تعطى الإنسان ضابطا للحياة الدنيا وعلاقتها، ولذلك ارتبط بعضها بتحقيق السعادة للإنسان على وجه الأرض في الحياة الدنيا في حين أنه من المسلم به في المنهج الإسلامي وجود حياة آخرة فيها ثواب وعقاب على ما يأتي الإنسان ويدع وما يختار.
وانطلاقا من هذا، وتجنبا للثغرات التي وجدت في التعريفات السابقة فإنه يمكن تعريف [القيم] من المنظور الإسلامي بأن نقول:
القيم الإسلامية: مجموعة من المعايير والأحكام النابعة من الإسلام ونصوصه، وتتكون هذه القيمة لدى الفرد والمجتمع من التفاعل مع المواقف والخبرات الحياتية المختلفة، بحيث تمكنه من اختيار أهداف وتوجهات لحياته تتفق مع إمكانياته، وتتجسد من خلال الاهتمامات أو السلوك العملي بطريقة مباشرة وغير مباشرة(2). وبحكم هذا التعريف تجئ عدة محددات أساسية على النحو الآتي:
__________
(1) المرجع السابق، ص 31.
(2) علي خليل مصطفى، القيم الإسلامية والتربية ص34.

(1/43)


1 - أن حياة الإنسان تحكمها أهداف محددة، وهناك وسائل لبلوغها، ولا بد من الانتفاع بتلك الأهداف في إطار ما تقدمه الجماعة وما ترتضيه، وينبع هذا من المنهج الأساسي الذي يشكل إطارا مرجعيا لها، وفي حالة المجتمع الإسلامي، فإن كل ذلك يرتد في النهاية للقرآن الكريم والسنة المطهرة كمصدرين أساسيين لإطار الحياة في هذا المجتمع.
2 - تتبلور أهداف الحياة لدى الإنسان المسلم في شكل معايير ينظر من خلالها لكافة مكونات حياته إما بالإيجاب أو بالسلب، بمعنى أنه تتكون لديه أحكام تفضيلية إزاء عناصر وجزئيات حياته، فيكون إيجابيا في بعضها وسلبيا في بعضها، بقدر ما تحقق له قيمة أو لا تحقق.
3 - تشمل المعايير وتتصل بكافة مكونات المجتمع ومواقفه في الحياة الدنيا وفي الآخرة باعتبارها مردودًا للحياة الدنيا، ويمتصها الفرد من خلال عملية التطبيع الاجتماعي، والتفاعل الاجتماعي، وهى في النهاية ترتد إلى ما يهدف إليه إطار الحياة العام في المجتمع أي أهداف الإسلام ومقاصده في المجتمع، كتوجهات القيم إلى المجتمع وأهدافه، والمسلم يهدف من وراء توجهاته القيمية رضوان الله تعالى الذي هو أبرز أهداف المجتمع الإسلامي.
4 - تتكشف تلك القيم، من خلال اختيارات الإنسان وتوجهاته، وبقدر إمكانياته ووضوح القيم لديه، بحيث نجعله مطمئنا إلى اختياره، مقتنعا به، فيوجه كافة إمكانياته من أجلها. ذلك أن الفرد الذي يتبنى القيمة يحاول أن يسلك من خلالها في حياته، فهي تقوم بعملية التوجيه، ويعني هذا أنه لا بد من وجود وعي تام بالقيمة، مع شعور بأهميتها، فالقيمة لا تكتسب أهميتها لدى الفرد إلا إذا توفرت فيها شروط ثلاثة:
- أن يكون لديه وعي يتبلور حول وجود شيء أو فكرة أو موقف أو شخص.
أن يحدث هذا الوعي لديه اتجاها انفعاليًّا مع الشيء أو الفكرة أو الموقف أو ضده، فينظر إليه على أنه خير، أو شر إلى حد ما، بمعنى أن لا يقف موقف اللامبالاة أو عدم الاهتمام.

(1/44)


أن يصبح وعيه واتجاهه الانفعالي يصبح ركيزة أساسية للسلوك وليس مجرد اهتمام وقتي عابر.
ومعنى هذا أن لها عند الفرد صفة الاختيار الذي يتكون عن وعى واقتناع تام . لأنها تنطوي على [أحكام معيارية للتمييز بين الصواب والخطأ، والخير والشر ](1).
5 - تظهر هذه القيم من خلال المصادر الأصلية ( القرآن والسنة ) في شكل أوامر ونواهٍ أو إلزامات تكليفية، في حين تظهر سلوكيا في صور التعبير الإيجابي أو السلبي.
ومن التصورات الأخرى لمفهوم [القيم الإسلامية] ما ذكره بعض الباحثين عندما قال: القيم الإسلامية: حكم يصدره الإنسان على شيء ما مهتديًا بمجموعة المبادئ والمعايير التي ارتضاها الشرع محددًا المرغوب فيه والمرغوب عنه من السلوك(2).
خصائص القيم الإسلامية:
في ضوء ما سبق يمكن القول: إن خصائص القيم الإسلامية تتميز بما يلي:
أ - أنها تصدر من مصادر الإسلام ذاته، أي أنها تُستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ويعتبران الأساسين اللازمين للحديث والبحث عن القيم الإسلامية.
ب - أنها تستمد من الأحكام الشرعية، باعتبار أن الحياة الإسلامية كلها تقوم على هذه الأحكام، وتأتي القيم في صورة أمر بالفعل أو أمر بالترك والكف بكافة درجات أمر الفعل وأمر الترك، وهي بهذا تحدد توجيهات الإنسان في حياته حيال الأشياء والمواقف، تاركة له مساحة من الاختيار.
جـ- أنها تقوم على أساس الشمول والتكامل بمعنى:
__________
(1) ضياء زاهر، القيم العملية التربوية، مرجع سابق، ص25.
(2) حامد زهران، علم النفس الاجتماعي، ط14، 1977، ص132.

(1/45)


1- أنها تراعي عالم الإنسان وما فيه، والمجتمع الذي يعيش فيه، وأهداف حياة الإنسان طبقا للتصور الإسلامي، أي تحدد أهداف الحياة وغايتها وما وراءها، ومن ثم تكون قيمة أي إنجاز بشري في تقدير حسابه وجزائه، في الدار الآخرة مع عدم إهمال الدنيا(1).
2- أنها جامعة لكافة مناشط الإنسان وتوجهاته، تستوعب حياته كلها من جميع جوانبها، ثم هي في هذا لا تقف عند حد الحياة الدنيا.
د- أنها تقوم على مبدأ التوحيد، باعتباره النواة التي تتجمع حولها اتجاهات المسلم وسلوكياته، حتى يصل لأهدافه، وبهذا تجعل لحياة الإنسان معنى ووظيفة.
هـ- أنها تتميز بالاستمرارية والعمومية لكل الناس في كل زمان ومكان، ويؤيد ذلك القرآن الكريم في قول الله سبحانه وتعالى {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}(2).
ولا تتأتى تلك الاستمرارية إلا إذا كانت هذه القيم موضوعية، أي من عند الله تعالى، فالإنسان لا يمكنه من تلقاء نفسه ودون معونة إلهية أن ينشئ نظاما حياتيا صالحا له، ولا يمكنه أن يقيم منظومة قيمية تساعده على أداء دوره في الأرض، بسبب ما يطرأ عليه من ميل للهوى، وما جبل عليه من ضعف، ولذا فإن الوحي هو الذي يستطيع ذلك، وهذا ما حدث فعلا، فقد جاء الوحي بقيم خالدة تحفظ على الإنسان جهده وحياته، ولترتفع به إلى المستوى اللائق به كخليفة الله في الأرض.
وتأتي تلك القيم في استمراريتها من موضوعيتها، فهي لا يطرأ عليها أي تغيير أو تبديل بسبب تغير الظروف والأزمان، وهي ليست من نتاج بشر، بل هي وحي من الله تعالى لنبيه، وعلى هذا تكون الاستمرارية سمة فاصلة بين القيم الإسلامية وقيم البشر الوضعية.
__________
(1) محمد فتحي عثمان، القيم الحضارية في رسالة الإسلام، ط1، الدار السعودية، 1402هـ/ 1403هـ، ص42.
(2) سورة الفرقان، (1) - ويمكن الرجوع إلى سور: الأنبياء (7)، والقلم (52)، وسبأ (28)، والفتح (28).

(1/46)


و - أنها جامعة للثبات والمرونة، فهناك قيم عليا ثابتة لا تقبل الاجتهاد أو التغيير أو التبديل، كالقيم العقدية، وقيم العبادات وقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما القيم الأخرى فهي نسبية، بمعنى أن القيم التي تستند إلى نص قطعي الدلالة لا يجوز فيها التغيير أو التبديل، أما تلك التي تعتمد على ظني الدلالة، فإن مجال الاختيار فيها واسع، وهي مرنة مرونة كافية لمواجهة ما يتولد في حياة الناس من مواقف وحوادث، وما تصير إليه الأمور في المجتمعات، وهي مما يحتاج إلى نظر وتأمل واستنباط.
فالقيم والقواعد القطعية الواجبة لا يجوز فيها التبديل، أما ما يستحدث من مواقف وما يجوز فيه الاجتهاد ويستجد من قيم بحسب اقتضاء المصلحة زمانا ومكانا وحالا، فتلحقها الحركة والمرونة، وبهذه الميزة استطاعت القيم الإسلامية الحفاظ على المجتمع الإسلامي بالرغم من التغيرات التي أصابته والتي واجهته على مر الزمن.
ز - أنها وسطية، تلك الوسطية المختارة، فقد عمد الإسلام إلى القيم الجيدة عند العربي فأبقاها وضبطها، وأضاف إليها، وزود الإنسان بقيم ليعيش عالمه المادي والمعنوي في توازن دقيق، وزوده بقيم تهتم بالفرد كما تهتم بالجماعة، كما وازن بين الدنيا والآخرة، القوة والرحمة.. إلخ وبهذا كانت معبرة تعبيرا صحيحا عن الفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية، في واقعية كاملة.
إن وسطية القيم الإسلامية لم تلغ الطبيعة البشرية، بل عملت وتعمل على توجيهها باعتبارها مفاهيم ضابطة، تعمل على توجيه هذه الطبيعة، فهي لا تضاد الفطرة ولا تلغيها ولا تكبتها ولا تقف في سبيلها، بل تحاول توجهها بطريقة دافعة، ومن منطلق هذه الوسطية يلزم الإسلام الإنسان بالقيم المحققة لإنسانيته، والتي لا تغلو في طرف وتهمل طرفا آخر، فالإنسان مطالب -مثلا- بالتوسط في الإنفاق، والعاطفة، والاعتقاد، وتوفية مطالب الروح والجسد، والآيات التي تؤيد ذلك عديدة منها:

(1/47)


- {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}(1).
- {وَابْتَغِ فِيمَا أَتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(2).
إن تلك الوسطية التي تتميز بها القيم الإسلامية، تعد عملية انتقائية، إلا أنها توفيق دقيق جدا بين الوحي وإمكانات الإنسان الأرضية، وهو ضروري لأنه يولد لدى الإنسان حيوية الاختيار والانتقاء للالتزام بها(3)، مما يتيح في النهاية عملا يتسم بالصدق في المظهر والمخبر، بخلاف عملية التلفيق التي لا تحمل دلالة نفسية على تقوى أو صلاح(4).
وهذه الوسطية تستلزم التفهم الكامل الواعي لموضوعات القيم، لأنها تستلزم الاختيار ولا اختيار بدون وعي، أي أنها تُتعلم، فالإنسان لا يولد مزودا بها، ولكن لديه الاستعداد ومن ثَم تنشأ وتتكون لديه من الخبرات والمواقف التي يعيشها الإنسان.
ح - أنها ترتبط بالجزاءات الدنيوية والأخروية، ولذا أُوجد الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ولكن هناك هدف آخر أسمى وراء الالتزام بعد الاختيار القائم على وعي كامل، لما جاء به الشرع وأمر بالالتزام به، ذلك الهدف هو إرضاء الله تعالى، ويأتي الجزاء بعد ذلك والذي لا يحرم منه الملتزم.
__________
(1) سورة الإسراء (29).
(2) سورة القصص (77).
(3) محمد عبدالله دراز، دستور الأخلاق في القرآن، ص126.
(4) جابر قميحة، المدخل إلى القيم الإسلامية، القاهرة، دار الكتاب المصري، د.ت، ص78.

(1/48)


ط- أنها تقوم على أساس الضبط والتوجيه والتنمية والتربية، ولذا فإن أهداف التربية في أي مجتمع إنما تشتق من هذه القيم التي تهتم بجوانب الإنسان المختلفة وبصورة متكاملة، فسلطان القيم منبسط على كافة وجوه النشاط الإنساني كلها، لا يشذ عنها عمل تربوي ولا يتفاوت في حكمه نشاط بدني أو عقلي أو فني أو أدبي أو روحي(1).
تصنيف القيم الإسلامية:
في ضوء ما سبق سنعرض تصنيفًا للقيم الإسلامية على النحو التالي:
1- من حيث الإطلاق والنسبية: ويوجد هنا مستويان:
الأول: القيم المطلقة: وترتبط بالأصول، وهي قيم ثابتة ومطلقة ومستمرة لا تتغير بتغير الزمان والأحوال، ولا مجال للاجتهاد فيها إلا الفهم والوعي، ومن ثم يجب على المسلم أن يتقبلها ويسلم بها ويعمل بمقتضاها، وهذه ترتد إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة.
الثاني: القيم النسبية: وترتبط بما لم يرد فيه نص، أو تشريع صريح وهي تخضع للاجتهاد الذي لا يتعارض مع نص صريح، ومعنى نسبيتها أنها متغيرة بتغير المواقف عبر الزمان والمكان، وتحتاج إلى اجتهاد جمعي لإقرارها.
2- من حيث تحقيق المصلحة: وهي تتعلق بحفظ الكليات الخمس وهي:
- الدين: وموضوع القيم هنا صلة الإنسان بربه.
- النفس: وموضوع القيم هنا صلة الإنسان بنفسه، وحياة الإنسان.
- العقل: وموضوع القيم الجوانب الفكرية والعقلية في حياة الإنسان.
- النَّسل: وموضوع القيم صلة الإنسان بغيره على وجه العموم.
- المال: وموضوع القيم صلة الإنسان بالأشياء والمكاسب.
وتأتي القيم هنا مرتبة ترتيبا هرميا طبقا لمحورين أساسيين:
- درجة النفع: وهنا ثلاث درجات، الضروريات، الحاجيات، والتحسينيات.
- درجة الحكم: من حيث الحلال والحرام والمباح والمكروه والمندوب.
3- من حيث تعلقها بأبعاد شخصية الإنسان وجوانبها: والتي تُربى على القيم وتحتضنها:
__________
(1) محمد عبدالله دراز، دراسات اسلامية في العلاقات الاجتماعية والدولية، الكويت، دار القلم، 1400هـ- 1980م، ص123، 124.

(1/49)


- البعد الروحي: وتعبر عنه القيم التي تنظم علاقة الإنسان بربه، وتحدد صلته به.
- البعد الخلقي: وتعبر عنه القيم المتعلقة بالأخلاق والتي تتصل بالشعور والمسئولية.
- البعد العقلي: وتعبر عنه القيم المتعلقة بالعقل والمعرفة، وإدراك الحق، ووظيفة المعرفة.
- البعد الجمالي: وتعبر عنه القيم المتعلقة بالتذوق الجمالي والتعبير عنه، وإدراك الاتساق في الحياة.
- البعد الوجداني: وتعبر عنه القيم الوجدانية الانفعالية، وهي تلك التي تنظم الجوانب الانفعالية للإنسان وتضبطها، من غضب ورضا أو حب وكره، وغير ذلك.
- البعد المادي: وتعبر عنه القيم المتعلقة بالوجود المادي للإنسان.
- البعد الاجتماعي: وتعبر عنه القيم التي تتصل بالوجود الاجتماعي للإنسان من خلال مجتمعه والمجتمع العالمي.
وخلاصة القول أن صيغة التكامل بين هذه الأبعاد هي الأساس في تناول هذه القيم، فكل بعد متكامل مع الآخر، وتتكامل كافة أبعاد التصنيف الثلاثة بعضها مع بعض مكونة النسق القيمي الإسلامي الصحيح.
بين الأخلاق والقيم:
يبدو جليًّا مدى التقارب بين مفهوم الأخلاق والقيم، ولعل مفهوم القيم أوسع دلالة من مفهوم الأخلاق، ولكن إذا كانت القيم تتعلق بجوانب شتى من الحياة، حتى إن البعض يقول: إن هناك قيما خلقية تختص بالشعور بالمسئولية والالتزام إلى جانب قيم أخرى، فإننا لا نكاد نلمح فارقا بين الاثنين باعتبار أن الأخلاق تتصل أيضا بكافة جوانب الحياة، فهي لا تنفصل عن حياة الإنسان في كافة جنباتها.
ويمكن القول:إن الأخلاق تستند في أصلها إلى قيم للسلوك الفردي أو الاجتماعي، والفعل الخلقي هو في صميمه فعل قيمي.

(1/50)


ومع هذا فلا يجب أن نهمل ما توصل إليه علماء الأخلاق ونحن ندرس القيم، ولا نهمل ما توصل إليه علماء التربية الذين اهتموا بدراسة القيم لأنها توضح وتجلي مجالات من مجالات الأخلاق ودراستها، ولذلك فإن حديثنا سينصب في باقي هذه المقدمة حول القيم الخلقية والتي تعني تلك القيم التي تتصل بشعور الإنسان بالالتزام والمسؤولية والجزاء.
وظائف القيم الخلقية:
للقيم الخلقية وظائف عديدة، فهي تنعكس على سلوك الفرد قولا وعملا، كما ينعكس أثر الالتزام بها على الجماعة أيضًا، بل ويمكن أن يمتد أثرها إلى العلاقات الدولية في حالتي السلم والحرب، وسنتناول ذلك ـ بإيجاز ـ فيما يلي:
أ - على المستوى الفردي:
1 - أنها تهيئ للأفراد اختيارات معينة عن طريق الأوامر والنواهي والإلزامات التكليفية، تحدد السلوك الصادر عنهم، وبمعنى آخر؛ تحدد أشكال السلوك، وبالتالي تلعب الدور الهام في تشكيل الشخصية الفردية السعيدة في الحياة الدنيا. وفي الحياة الآخرة عن طريق تحديد أهدافها في إطار معياري صحيح.
2 - أنها تعطي الفرد إمكانية تحقيق ما هو مطلوب منه في إطار الرسالة الإسلامية، وتمنحه القدرة على التكيف والتوافق الإيجابيين، وتحقيق الرضا عن النفس بإرضاء الله تعالى عن طريق التجاوب مع الجماعة في مبادئها وعقائدها وأخلاقها الصحيحة.
3 - أنها تحقق للفرد الإحساس بالأمان، إذ هو يستعين بها على مواجهة ضعفه وضعف نفسه، ومواجهة التحديات والعقبات التي تواجهه في حياته.
4 - أنها تعطي الفرد فرصة ودفعة نحو تحسين وعيه، ومعتقداته، وسلوكياته، لتتضح الرؤية أمامه، وبالتالي تساعده على فهم العالم حوله، وتوسع مدلولات الإطار الفكري لفهم حياته وعلاقاته .
5 - أنها تعطي الفرد فرصة للتعبير عن الذات، مؤكدا ذاته في إطار العبودية الصحيحة لله وعن فهم عميق لها ولإمكانياتها.

(1/51)


6 - أنها تعمل على إصلاح الفرد نفسيا، وتوجهه نحو الخير والإحسان الواجب وكافة مكارم الأخلاق التي تضمن حياة نظيفة في الدنيا، وجزاء أوفى في الآخرة.
7 - أنها تعمل على ضبط الفرد لشهواته، ومطامعه، فلا تتغلب على فكره ووجدانه، لأنها تربط سلوكه وتصرفاته بمعايير وأحكام أهمها إرضاء الله سبحانه وتعالى، وبالتالي يتصرف في ضوئها وعلى هديها
8 - أنها تبعد الإنسان عن النقص البشري الذي يجعل الحياة جحيما لا يطاق، وذلك من جراء صفات من أبرزها الجبن والخوف، والاستهتار واللامبالاة إلى غير ذلك من صفات يجب أن يتجنبها الإنسان.
9 - تسمو بالإنسان وترفعه فوق الماديات المحسوسة حتى لا يرتبط بها ارتباطا كليا، فتغلب عليه حيوانيته، وإلى سماء الإنسانية الرفيعة بكل ما فيها من جمال وقيم ومبادئ سامية لا تتحقق إلا بالتمسك بالأخلاق الإسلامية ومنهج الإسلام في الحياة.
إلا أنه يجب أن لا ندرك هذه الوظائف منفصلة بعضها عن بعض، بل هي متداخلة متكاملة بعضها مع بعض وبالتالي تحقق ذاتية الفرد، وتجعله يحس ويستشعر عظمة وقيمة حياته، إنها في النهاية تحقيق لإنسانية الإنسان، ورضاه عن نفسه برضا الله تعالى عليه وتحقيق إرادته مع أوامره ونواهيه.
ب - على المستوى الاجتماعي:
للقيم الخلقية وظيفتها على المستوى الاجتماعي، حيث إنها تحقق للمجتمع وظائف عديدة، منها:
1 - تحفظ على المجتمع تماسكه، فتحدد له أهداف حياته، ومثله العليا، ومبادئه الثابتة المستقرة التي تحفظ له هذا التماسك والثبات اللازمين لممارسة حياة اجتماعية سليمة ومتواصلة.
2 - تساعد المجتمع على مواجهة التغيرات التي تحدث فيه، بتحديدها الاختيارات الصحيحة والسليمة التي تسهل على الناس حياتهم، وتحفظ على المجتمع استقراره وكيانه في إطار موحد.

(1/52)


3 - تربط أجزاء ثقافة المجتمع بعضها ببعض حتى تبدو متناسقة، كما أنها تعمل على إعطاء النظم الاجتماعية أساسا إيمانيا وعقليا يصبح عقيدة في ذهن أعضاء المجتمع المنتمين والمتفاعلين بهذه الثقافة.
4 - تقي المجتمع من الأنانية المفرطة، والنزعات، والأهواء والشهوات الطائشة التي تضر به وبأفراده ونظمه، فهي تحمل الأفراد على التفكير في أعمالهم على أنها محاولات للوصول إلى أهداف هي غايات في حد ذاتها، وليس على أنها مجرد أعمالٍ لإشباع الرغبات والشهوات.
ولذلك فإن القيم والمثل العليا في أي جماعة هي الهدف الذي يسعى جميع أعضائها للوصول إليه، والمثل الأعلى في المجتمع الإسلامي هو محمد
J، والمنهج الذي بُلِّغَ به من قبل الله تعالى باعتباره المثل الأعلى.
5 - أنها تزود المجتمع بالصيغة التي يتعامل بها مع العالم الطبيعي والبشر، وتحدد له أهداف ومبررات وجوده، حتى يسلك في ضوئهما، ويستلهمها الأفراد في سلوكياتهم.
6 - أنها تزود المجتمع بالصبغة الملائمة التي تربط بين نظمه الداخلية من اقتصادية وسياسية وإدارية وبالتالي تحوطه بسياج حام من التفكك والانحلال.
جـ - على مستوى العلاقات الدولية:
إن وظيفة القيم الأخلاقية - كما حددها القرآن الكريم وكما جاءت بها السنة المطهرة - قد تتجاوز في أحيان كثيرة الفرد والمجتمع إلى إطار أرحب وأوسع، ألا وهو مجال العلاقات الدولية في وقتي السلم والحرب على السواء، ويتضح ذلك من تأمل ما يلي:
أولا: في حالة السلم:
1- الاهتمام بالسلام العام، يقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة /128) .

(1/53)


2- مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، يقول الله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوا أَمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (العنكبوت/46) .
3- عدم إكراه أحد على الدخول في الدين، يقول الله تعالى:{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } (البقرة 256)، ويقول سبحانه: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} (الغاشية 21/22) .
4- عدم إثارة الأحقاد أو الكراهية، يقول الله تعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ... يَعْمَلُونَ} (الأنعام /108) .
5-ترك الاستبداد والإفساد في الأرض، يقول سبحانه وتعالى:{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص/83).
6- الحفاظ على أمن المحايدين، يقول الله تعالى:{فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} (النساء /90) .
7- حسن الجوار وإقامة العلاقات الدولية على أساس من العدالة والبر يقول سبحانه:{لاَّ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ .... إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة/8).
ثانيا: في حالة الحرب أو الخصومة:
يتجلى دور القيم الإسلامية في هذه الحالة في النقاط الآتية:
1- ترك المبادرة بالشر أو العدوان، يقول الله تعالى:{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ .... إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (المائدة /2).

(1/54)


2- النهي عن القتال في الأشهر الحرم أو الأماكن المحرمة، يقول الله تعالى:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا ... فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} (التوبة /36)، ويقول سبحانه: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ} (البقرة /191) .
وهذه القواعد الأخلاقية المتعلقة بتحريم القتال في أزمنة معينة وأماكن معينة لا تزال تشكل أساسا متينا في العلاقات الدولية إذ يجب على الأطراف المتحاربة تجنب القتال في أوقات الهدنة المتفق عليها سلفا من الأطراف قياسا على حرمة القتال في الأشهر الحرم التي كانت بمثابة هدنة أقرها العرب قبل الإسلام في هذه الأشهر، ثم أقرهم الإسلام على ذلك، .كما أنه يجب تجنيب دور العبادة والتعليم وما أشبهها من ويلات الحروب وآثارها المدمرة .
3- عدم التعرض للمدنيين وقتال المقاتلة وحدهم، يقول الله تعالى:{وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة/190) .
4- الوفاء بالمعاهدات المبرمة بين أطراف النزاع، يقول الله تعالى:{يَأَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة/1).
5- الوفاء بجميع الالتزامات قبل الطرف الآخر حتى ولو كانت غير مواتية، يقول الله تعالى:{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ..... تَخْتَلِفُونَ} (النحل 91/92) .
6- مراعاة الأخوة الإنسانية باعتبارها رباطا مقدسا يسمو على الأجناس والأنواع يقول الله تعالى:{يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ...إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} (النساء/1).

(1/55)


7- وأخيرا يدعو القرآن الكريم المحاربين من المسلمين إلى التحلي بالصبر كما يدعوهم إلى الوحدة والثبات وعدم الخوف من ملاقاة الأعداء مهما كثروا (1) يقول الله تعالى:{يَأَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ( (آل عمران/200)، ويقول جل من قائل: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (الأنفال/ 45 - 46) .
الفصل الثاني
الأخلاق الإسلامية
طبيعتها .. مصادرها .. أركانها
بعد أن تعرفنا على مفهوم الأخلاق، ووظائفها، يمكننا أن نعرض لطبيعة الأخلاق الإسلامية وخصائصها، باعتبارها معبِّرًا قويًّا عن الذاتية الثقافية للأمة الإسلامية بعالميتها وشمولها، بما يدفع أي شك أو تردد في وجود تلك الأخلاق وتفردها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وأهميتها في توليد الحركة الحضارية الذاتية للمجتمع الإسلامي، وذلك بتحريك الوعي بتلك القيم في نفوس الأفراد.
أولا: طبيعة الأخلاق الإسلامية:
للأخلاق الإسلامية طبيعة متميزة متفردة سواء فيما يتعلق بالإطار النظري لها، أو بأركانها، وفي سبيل توضيح ذلك؛ نسوق مقدمتين، ثم نتناول أركان الفعل الخلقي في الإسلام.
المقدمة الأولى: الأخلاق الإسلامية والعقيدة الإسلامية:
__________
(1) بتصرف واختصار من دستور الأخلاق في القرآن الكريم 753-760 .

(1/56)


لا تصدر الأخلاق الإسلامية عن مصلحة مؤقتة أو منفعة ذاتية، ولما كانت الأخلاق تعتمد على أصل الشعور بها عند الإنسان، بحيث يترجم عنها في صورة أفعال أو انفعال أو لفظ، فإن الإسلام يجعل الإنسان الأساس الذي تقوم عليه الأخلاق، وهذه الأخلاق تهدف إلى تحقيق كرامة الإنسان بمراعاة طبيعته، وقدراته، وما سخر له في السماوات والأرض، وبما أنزل عليه من كتب وما أرسل إليه من رسل، وبذا تتحقق كرامة الإنسان ويتهيأ بها للعمل الصالح المحكوم بسياج العقيدة الصحيحة(1).
إن هدف الإسلام هو [تحرير البشرية من الرق في جميع أشكاله، وتحريك الإنسان من أجل السعي والدأب على الاحتفاظ بالخصائص الإنسانية، وعدم الانحراف في توجيهها أو في ممارستها] وإذا تحدث الإسلام عن الأخلاق كضابط لسلوك الإنسان، فإنه لا يهدف إلا إلى [أن يبقى الأفراد على مستوى إنساني لا يستذل واحد آخر، ولا يؤذي فردٌ فردًا في بشريته، وبهذا يكون المجتمع مجتمعا إنسانيًّا، كل فرد فيه يشعر بالطمأنينة وبالارتياح في صلته بغيره] (2).
__________
(1) محمد فتحي عثمان: القيم الحضارية في رسالة الإسلام، الطبعة الأولى، الدار السعودية، 1402/1403هـ، ص 42.
(2) محمد البهي: الدين والحضارة الإنسانية، الجزائر، الشركة الجزائرية، ( بدون تاريخ )، ص 85 (بتصرف).

(1/57)


ومن أهدافه أيضًا المحافظة على حرية الإنسان، التي لا يحدها إلا إطار الشرعية أو المصلحة العامة، فرسالة الإسلام هي رسالة الله للإنسان، وهذا يجعلنا نقول إن إرساء الإسلام لهذه الأخلاق إنما كان لتحقيق مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة، فأخلاق الإسلام كشريعته وعقيدته جاءت ليحصل بها السعادة في الدنيا والآخرة، وتحقيق كافة كمالات الإنسان، ذلك لأن جميع ما في الإسلام [من عقائد وعبادات ومعاملات تتكفل بتحقيق كل مصالح العباد بقسميها الدنيوي والأخروي، فالمسلم المتمسك بأحكام الدين في معاملاته مع الناس من حيث إنها أوامر إلهية، بالائتمار بها، ينال جزاء ذلك في الدنيا بالوصول إلى منافعه، وفي الآخرة بلوغ مرضاة الله وجناته](1).
وإذا كانت الغاية من الشرائع السماوية، حصول السعادة في الدارين، فإن هذا يدلنا على أن الله سبحانه لم يترك عباده سدى، بل أنعم عليهم بعد نعمة الْخَلْق بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتب المتضمنة لهداية العباد إلى الحق والخير والسعادة، وجميع الأحكام الكلية والجزئية إنما تهدف إلى تحقيق مصالحهم، وقد اتفقت كلمة العلماء على أن أحكام الله تعالى قائمة على رعاية المصالح، وإن اختلفت العبارات في ذلك(2).
__________
(1) محمد سعيد رمضان: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، الطبعة الرابعة، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1402هـ/1982م، ص 85 .
(2) يوسف حامد العالم: المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، الطبعة الأولى، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1412/1991م، ص 77 .

(1/58)


والمقاصد الكلية للشريعة تنحصر في المحافظة على كل من: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال(1)، ولو اختل واحد من هذه الأمور الخمسة لاختلت لأجله الحياة، وقد شرع الله لحفظ هذه الضروريات أحكاما لوجودها، وأخرى للمحافظة عليها حتى لا تنعدم بعد الوجود، ووجوب المحافظة على هذه الأمور معلوم على سبيل القطع، وجاءت وسائل الحفاظ عليها في ثلاث مراحل حسب الأهمية، وتتمثل في الضروريات، والحاجيات والتحسينات.
فالضروريات: ما لا بد منه في حفظ الكليات الخمس، ويكون ذلك بإقامة أركانها، وتثبيت قواعدها وبدرء الفساد الواقع أو المتوقع عليها. وفي هذا الإطار شرع الشارع أوامر لتقويم الأركان والوجود، وأوامر أخرى لحفظها من الهدم والفساد، فهي أوامر ونواهي.
أما الحاجيات: فمعناها أنه قد تتحقق من دونها الأمور الخمسة، ولكن مع الضيق، فشرعت لحاجة الناس إلى رفع الضيق عن أنفسهم، كي لا يقعوا في حرج قد يفوت عليهم المطلوب، ومن هذا المجال الرُّخص، وإباحة التمتع بالطيبات والتوسع في المعاملات، وغير ذلك.
والتحسينات: هي الأمور التي إذا تركت لا يؤدى تركها إلى ضيق، ولكن مراعاتها متفقة مع مبدأ الأخذ بما يليق، وتجنب ما لا يليق، ومتمشية مع مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، ومن هذا المجال أحكام النجاسات، والطهارات، وستر العورة وما أشبه ذلك، وآداب الأكل وآداب الشرب وغير ذلك مما يندرج تحت ما يسمى بالآداب الشرعية (2).
والهدف من ذلك كله أن يعرف الإنسان الغاية من خلقه وهى معرفة الله عز وجل، ولزوم موقف العبودية له، حيث ينال بذلك الخلود في جناته وظل مرضاته وهذه هي رابطة الحياة الآخرة بالدنيا](3).
__________
(1) الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة جـ1، ط 4، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1402هـ/1982م، ص 85 .
(2) راجع: محمد سعيد رمضان، مرجع سابق، ص 119 - 120 و يوسف حامد العالم، المقاصد العامة، مرجع سابق، ص 80 - 82.
(3) محمد سعيد رمضان، مرجع سابق، ص 121.

(1/59)


والأدلة على ذلك كثيرة وافرة من القرآن الكريم والسنة، ومن ذلك قوله تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}(1).
{وَابْتَغِ فِيمَا أَتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}(2).
{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}(3)
{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا}(4).
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ}(5).
__________
(1) الذاريات :56.
(2) القصص : 77.
(3) المؤمنون : 115.
(4) مريم:93.
(5) الشورى:20.

(1/60)


ويسوق الراغب تعليلا جيدا حيث يقول: [ما أحد إلا وهو فازع إلى السعادة يطلبها بجهد، ولكن كثيرا ما يخطئ فيظن ما ليس بسعادة في ذاته أنه سعادة فيغتر بها، والنعم الدنيوية تكون نعما وسعادة متى تناولها الإنسان على ما يجب وكما يجب، ويجري بها على الوجه الذي لأجله خلق، وذلك أن الله جعل الدنيا عاريَّة ليتناول منه قدر ما يتوصل به إلى النعم الدائمة والسعادة الحقيقية، وشرع لنا في كل منها حُكْمًا بين فيه كيف يجب أن يتناول ويتصرف عنها، لكن صار الناس في تناولها فريقين: فريق يتناولونه على الوجه الذي جعله الله لهم فانتفعوا به، فصار ذلك لهم نعمة وسعادة وهم الموصوفون بقوله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ}(1)، وقوله عز وجل: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ}(2)، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ في الدُّنْيَا حَسَنَةً}(3)، فهؤلاء حيوا بها حياة طيبة كما قال تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}(4)، وفريق يتناولها لا على الوجه الذي جعلها الله لهم، فركنوا إليها فصار ذلك لهم نقمة وشقاوة فتعذبوا بها عاجلا وآجلا، وهم الموصوفون بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}(5)،(6).
__________
(1) الحج:41
(2) النحل:30.
(3) النحل:41.
(4) النحل:97.
(5) التوبة :55.
(6) الراغب الأصفهانى: كتاب تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، بيروت، دار مكتبة الحياة للطباعة والنشر، 1983، ص 65، 66.

(1/61)


فالأخلاق في الإسلام ـ إذًا ـ تعتمد على أهداف العقيدة الإسلامية باعتبار أن العقيدة الإيمانية معيار توزن عليه الأعمال والأقوال وكافة التصرفات، لحفظ كرامة الإنسان وصيانته، وتحقيق سعادته في حياته الدنيا، والأخرى، وعلى هذا فمردود الالتزام الخلقي ليس دنيويا فحسب وإنما أخروي أيضا.
المقدمة الثانية: الأخلاق الإسلامية ومبدأ التكليف:
الإنسان كائن مكلف، ولهذا شواهده من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وعلى هذا يمكن فهم الإنسان وفهم هدف حياته، فهو مبتلى بتبعة التكليف، ولذا فهو مسئول عن اختياراته و بناء حياته، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ}(1).
يقول أبوحيان في تفسير هذه الآية الكريمة: بيّن الله أن ما كلفه الإنسان أمر عظيم فقال: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ} تعظيمًا لأمر التكليف، والظاهر أن الأمانة هي كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي، وشأن دين ودنيا، والشرع كله أمانة، وهذا قول الجمهور، والظاهر عرض الأمانة على هذه المخلوقات العظام ـ وهي الأوامر والنواهي ـ فتُثاب أن أحسنت، وتُعاقب إن أساءت، فأبت وأشفقت، ... وحملها الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته(2).
والأمر كذلك، فإن الإنسان لا بد أن يكون قادرا على الفعل والترك، أي الاختيار لكي تصبح منه الطاعة بفعل المأمورية، إذ أنه يكون عاصيا بتركه، ويلزم أن يكون الإنسان عالما بالأفعال التي كلف بها، إتيانا أو تركا(3).
__________
(1) الأحزاب:72.
(2) البحر المحيط 7/243 (بتصرف يسير)، وانظر صفة الأمانة جـ 3 ص 510 .
(3) راجع: عبدالقاهر البغدادى، كتاب أصول الدين، ط3، بيروت . دار الكتب العلمية، 1041هـ/1981م، 210-213 .

(1/62)


ويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ....} [قال علي بن أبى طلحة عن ابن عباس: الأمانة: الفرائض عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك وأشفقوا منه من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها](1).
أيا كان الأمر فقد منح الإنسان ما يساعده على القيام بمهمة التكليف، ويمكن عرض ذلك بإيجاز فيما يلي:
1 - الإنسان غاية حياته تحقيق وظائف الاستخلاف في الأرض: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}(2)، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ}(3).
2 - الإنسان وحده من بين سائر الكائنات هو المخصوص بالكرامة والتكريم {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى أَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}(4).
والفعل المختص بالإنسان ثلاثة:
أ ـ عمَارة الأرض المذكورة في قوله تعالى: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}(5) وذلك تحصيل ما به تزجية المعاش وغيره.
ب ـ وعبوديته لله المذكورة في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالِإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}(6) وذلك هو طاعة الله ـ عز وجل ـ في عبادته، في أوامره ونواهيه.
__________
(1) الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير: تفسير ابن كثير ط1، مكتبة الرياض الحديثة، دار الفكر 1400هـ/1980م جـ3، ص 523 .
(2) البقرة:30.
(3) الأنعام:165.
(4) الإسراء:70.
(5) هود:61.
(6) الذاريات:56.

(1/63)


جـ ـ استخلافه المذكور في قوله تعالى: {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}(1) وغيره من الآيات، وذلك هو الطاعة للباري سبحانه على قدر طاقة البشر في السياسة بامتثال الأوامر واجتناب النواهي واستعمال مكارم الشريعة، ومكارم الشريعة هي الحكمة، والقيام بالعدالة بين الناس في الحكم، والإحسان، والفضل، والقصد منها أن يبلغ الإنسان إلى جنة المأوى، وجوار رب العزة تبارك وتعالى(2).
3 - على هذا الأساس وُهب الإنسان استعدادات وقدرات ومواهب تؤهله للقيام بتلك الوظيفة سواء المادية والمعنوية، وهما جماع الذات الإنسانية، وبهما تتم حياة الإنسان، ويعود الاهتمام بالجانب المادي إلى أنه وعاء الشخصية الإنسانية، ومن هنا تأتي علاقة الإنسان المادية بالأشياء طبيعية، إذ أنها مفطورة في جبلته(3). وهو بهذا قادر على المشي في الأرض، والسعي فيها، وتعميرها وتحسينها، ولو كان الإنسان روحا محضا ما وجدت لديه الدافعية الحافزة له على استخدام المادة والسير في مناكب الأرض، وممارسة معطياتها(4).
__________
(1) الأعراف:129.
(2) الراغب الأصفهانى، الذريعة إلى مكارم الشريعة، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1980م، ص 32 .
(3) اقرأ سورة ص:71.
(4) راجع: يوسف القرضاوى، الخصائص العامة للإسلام، ط1، القاهرة، مكتبة وهبة، 1397هـ/1977م، ص 135.

(1/64)


وتعطي تعليمات الإسلام الجانب المادي حقه، ولم تنكر مطلبًا من مطالبه، بل وجهت إلى ضبطها وضبط إشباعها. ومن التوجيهات النبوية الخالدة، إنكاره J على من سولت له نفسه حرمان جسده من حقه وحاجاته الأساسية، يروي البخاري ـ رحمه الله ـ: [جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي J، يسألون عن عبادة النبي J، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي J؟ قد غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله J فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى](1).
إن الإسلام في توجيهاته لم يطغ الجانب المعنوي على الحاجات الحياتية ولكنه يعطي الجانب المعنوي مكانه وأثره حتى يؤدي غرضه، ومن هذه القوى المعنوية التي أولاها الإسلام عنايته العقل باعتباره القوة المدركة التي يستطيع الإنسان عن طريقها أن يعقل الأمور ويميز الخير من الشر، والنافع من الضار.
4 - ومن منطلق رسالة الإنسان فإن لديه الإمكانية والاستعداد لفعل الخير والشر، ويكتسب جانب الخير وجانب الشر بالتطبيع لا بالطبع، وهذا ما أوضحته الآية الكريمة: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}(2). وقوله تعالى {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}(3). وهو قادر على فعل الخير وفعل الشر والأمر راجع إلى تربية الاختيار، وقد يختار الإنسان أن يسلك سلوكا مضادا للقوانين الأخلاقية، ولكنه لا يستطيع أن يفلت من الإطار الخلقي بعيدا عن الخير والشر(4).
__________
(1) صحيح البخارى: بعناية مصطفى البغا، جـ7، ص 20 .
(2) البلد:10.
(3) الشمس:8.
(4) على عزت بيجوفتش، مرجع سابق، ص 84 .

(1/65)


وتعود تلك القدرة على الاختيار إلى التربية:تربية الاختيار، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف: [كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه] (1). والحديث يتضمن تصوير حالة الاستعدادات والقدرات القابلة للتشكيل والصياغة، ويبين أنه من خلال التربية والبيئة والتفاعل والتنشئة الاجتماعية يكون سلوك الإنسان، وتكون إرادته وقدرته على مواجهة الشر والتغلب عليه واختيار الخير، وعلى شكل هذه الإرادة وقوتها تكون حياة الإنسان.
والإسلام يقرر من خلال نصوصه أن هذه القضية ترتبط أصلا بالابتلاء، لأنها ترتبط بالإرادة الإنسانية والاختيار، وهذا يلقي على الإنسان مسئولية ضخمة، قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}(2). وهو سبحانه {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}(3).
فالابتلاء يجري على الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته، فهو إما مبتلى بالسراء أو بالضراء، بالمعصية أو بالطاعة(4).
__________
(1) ابن الديبع الشيباني، تيسير الوصول إلى أحاديث الرسول، جـ 1، ص 23 .
(2) الإنسان:2-3.
(3) الملك:2.
(4) انظر مظاهر الابتلاء .

(1/66)


5 - إن تكليف الإنسان المشار إليه في الآية الكريمة: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} (الأحزاب/72). هو أيضًا ابتلاء، وعلى هذا الأساس كان خلق الإنسان تمهيدًا وتأهيلاً من حيث كانت قابلة لفعل الخير وتقبله، وكذلك لفعل الشر وتقبله وتحمُّل نتائجه، ولذلك زود الإنسان بالصفات الخلقية والعقلية اللازمة للقيام بمهامه في إطار الابتلاء، وكانت القيم الخلقية طبقًا للمنهج الإسلامي هي الضابط الأساسي لحركة الإنسان المكلف برسالة الاستخلاف في الأرض، وكانت الابتلاءات الخاصة من منح ومحن لإظهار جودة الإنسان أو رداءته من خلال التزامه بالمنهج الإسلامي في التعامل مع مواقف الابتلاء المختلفة(1).
لقد ثارت منذ القدم مسألة الجبر والاختيار، وتنوعت الآراء حولها، والذي يهمنا هنا هو توضيح الموقف الإسلامي الصحيح من خلال نصوص القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهناك عنصران أساسيان للإجابة هما:
أ - غيبية أفعالنا المستقبلة {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} (لقمان/34).
ب - قدرة الإنسان على أن يحسن أو يفسد كيانه الداخلي {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس/9 - 10).
__________
(1) انظر تعامل المسلم مع مواقف الابتلاء.

(1/67)


ويمكن أن تكتمل هذه الإجابة القرآنية من خلال تفهم أن جميع المثيرات مهما بلغت لا تستطيع أن تمارس إكراهًا على قراراتنا في مواجهة الابتلاءات، يقول الله تعالى على لسان الشيطان: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} (إبراهيم/22). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هناك إدانة شديدة للأعمال الناشئة عن الهوى أو التقليد الأعمى(1)، يقول الله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الأعراف/176)، {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا أَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى أَثَرِهِمْ يُهْرَعُونَ} (الصافات/69 - 70).
__________
(1) انظر دستور الأخلاق في القرآن الكريم ص 202 (بتصرف واختصار).

(1/68)


ويرى ابن تيمية: أن الطبيعة الإنسانية تتميز بأنها طبيعة حية، والإرادة والحركة من لوازم الحياة، ولما كانت الإرادة والعمل من لوازم ذاتها، فإذا أهداها الله، علمها ما ينفعها وما يضرها. فأرادت ما ينفعها، وتركت ما يضرها، وهذه الإرادة الحرة المتحركة، النشطة، الفاعلة، المتفاعلة هي من أخص الخصائص الإنسانية، وتبعا لهذه الحركة الإرادية يكون له دور في سلوكه، ومختلف أنماط نشاطه، وميوله، ومن ثم تكون الهداية الإلهية ضرورية، والمعرفة الدينية حيوية، حتى لا تنحرف به ميوله، وإراداته عن طريق الخير(1). ومعنى هذا: أن الإرادة الإنسانية لا بد أن يكون لها دورها في اختيار النمط السلوكي، الذي تتحمل مسئوليته، ومما يدعم هذه المسئولية، حريتها بالإضافة إلى الفطرة، والمعرفة الإلهية متمثلة في الكتب والرسل، ومن ثم تبرز مسئولية الإنسان عن فعل الشر(2).
إذن الإنسان يعيش بين جبر واختيار، ويتمثل الجانب الجبري في حياة الإنسان في الموروثات التي تكون نفسيته وشخصيته أو تشترك في تكوينها، [من ذكاء وطباع ومزاج وغرائز وعواطف، ومواهب، وقدرات، بالإضافة إلى الشكل العام للجسد وقوته] وكذلك [المكتسبات الناتجة عن تفاعل الموروثات ببيئة الفرد مثل العادات والتقاليد، والأنماط السلوكية والمكانة لكل مجتمع ولكل عصر وما إلى ذلك]، وهو ضروري [لقيام التجربة الوجودية] (3).
__________
(1) محمد عبدالله عفيفي: النظرية الخلقية عند ابن تيمية، مرجع سابق ص 253 .
(2) المرجع السابق، ص 253، 254 .
(3) فاروق الدسوقي: القضاء والقدر في الإسلام، مرجع سابق، ص 180 .

(1/69)


ومن الجبر أيضا الرزق والعمر والولد والقوة والجاه وكل ما يمنح الله الإنسان من نعم، وكل ما يصيبه من نقم، وأما الجانب الاختياري فله ركائزه، وهي محققة في القرآن الكريم والسنة المطهرة (1)، وهذا الاختيار له مساحاته، وإذا أراد الإنسان ونوى وعزم على الفعل، يأتي الفعل من الإنسان، والتوفيق من الله، وفي كل أفعال الإنسان يظل في تلك الحركة الدائبة، وهذا الجانب الاختياري من حياة الإنسان يتكون من مجموع اختياراته حيال التجارب الائتلافية التي يجتازها في حياته كلها، ومن مجموع الجانبين وامتزاجهما نتج لنا شخصية الفرد واضحة جلية محددة الاتجاه والمصير، فالإنسان ليس في نهاية حياته سوى عمله الذي اختاره ونفذه ومات عليه](2).
وبالإرادة القوية الصحيحة التي تتكون لدى الإنسان عن طريق العلم الصحيح والتربية السليمة المعتمدة على أن الإنسان مفكر ذكي ذو قدرات واستعدادات تساعده على الاختيار السليم يكون الاختيار السليم، ولعل هذا بعض مما يوحي به الحديث الشريف: [اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ](3).
6 - والإنسان لا يعيش وحده بل في مجتمع، أي في علاقة، وهذا النوع من العلاقة لا يمكن أن يوجد إلا في وسط مجتمع له غايته الخاصة، وتأتى معطيات الإسلام مقررة أن الإنسان ليس فردا فردية مطلقة، ولا هو ذائب في الجماعة، بل هو يشكل جزءًا من كل أكبر، وهذه الجماعة منسِّقة لغايات أسمى، فالإسلام لا يضخم الفرد، ولا يضخم الجماعة، إذ هو يعطى الفرد ذاتيته المسئولة بحيث يصبح في النهاية فردا في مجموع، ويعطى المجتمع كيانا ووجودا في ضمير الأفراد، فهو يغذي في الفرد النزعة الفردية بحيث يشعر بذاتيته واستقلاله ويبين للإنسان دوره في المجموع، لأن الإنسان لا يمكن أن يعيش بمعزل عن المجتمع
__________
(1) المرجع السابق، ص 215، 231 .
(2) فاروق الدسوقي: القضاء والقدر في الإسلام، مرجع سابق، ص 180 .
(3) صحيح البخاري، مرجع سابق جـ 3، ص 154 .

(1/70)


والدور الاجتماعي للفرد مطلوب، وفي الوقت نفسه يقرر الإسلام ضمانات معينة ليسير المجتمع على أساسها، وليوفر الجو المستقر الذي يستطيع الفرد فيه استغلال قدراته كقوة متميزة متفردة، مسئولا عن أعماله {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ أَتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ أَتِيهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْدًا}(1).
وفي إطار هذه المسئولية الاجتماعية التي ترتب على الإنسان واجبات عديدة نحو مجتمعه وأسرته، بل ذاته، فإن له أيضًا حقوقًا لابد أن ينالها مثل حقه في الحياة والتملك، كل ذلك أي تلك الحقوق وما يقابلها من الواجبات يتم من خلال التوجه إلى مرضاة الله تعالى، وبهذا فقط ينشرح صدر الإنسان وتطمئن نفسه، ويتجاوب مع أهله وأصدقائه مشاركًا لهم في أفراحهم، ومعينًا لهم في وقت الشدة، ويتلقى منهم ما يسر خاطره، وقد جعل الإسلام هذه المشاعر النبيلة وتلك المشاركة الوجدانية الحقة ضمن عناصر الإيمان، يقول الرسول
J: [لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه](2).
ويُعْنَى الإسلام كذلك بتقوية الروح الاجتماعية في الإنسان، ومحاربة القبلية والعائلية والانعزالية في نفسه لأنه مهما اتصف الفرد بأكمل الصفات وأتمها، فلن يتم كماله إلا إذا ملأت الروح الاجتماعية قلبه ووجهت عمله، وأيقظت ضميره، وكانت المسيطرة عليه في كل تصرفاته(3).
وإلى هذا كله تشير الآيات الكريمة: {يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(4).
__________
(1) مريم:93-95.
(2) البخاري ـ الفتح (13)، ومسلم (45)، وانظر أيضًا الأحاديث 63، 65، 67، 68، 71 .
(3) مصطفى السباعي، هذا هو الإسلام، ط1، بيروت، المكتب الإسلامي، 1979، ص 10، 11 .
(4) الحجرات:13.

(1/71)


{يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(1).
{إِنَّ الَّذِينَ أَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ أَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ أَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِن وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا}(2).
تؤكد الآيات ومعها الأحاديث النبوية مسئولية الإنسان الفرد في بناء المجتمع المسلم، وتؤكد أن الفرد عضو في كيان أكبر، هو المجتمع الإسلامي الذي يقوم على الإيمان والعدل والمساواة والأخوة والتحرك الواعي تجاه أهداف الجماعة الإسلامية.
هذه المعطيات الأساسية تعتبر المبادئ التي تم بناء الفرد المسلم عليها، وهى المنطلقات الأساسية للتكليف السليم، وهي أساس التربية الخلقية السليمة باعتبار أن الأخلاق الإسلامية تحتل المكان البارز في حياة المسلمين ولأن قواعد الأخلاق الإسلامية تتميز عن غيرها لاقترانها دائما بأمر التكليف حيث نرى اقتران أمر التكليف في كثير من آيات القرآن الكريم بالأمر بالفضائل الخلقية، كالبر والتعاون والمودة والأمانة وأمثالها(3).
وهذا ما نلاحظه في كثير من آيات القرآن الكريم والسنة المطهرة حيث يربط بين الاثنين في أمر واحد {يَأَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(4).
__________
(1) النساء:1.
(2) الأنفال:72.
(3) أبو الوفا مصطفى المراغي: السلوك الخلقي الاجتماعي في الإسلام، العدد 69، سلسلة دراسات في الإسلام، القاهرة، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ص14.
(4) الحج:77.

(1/72)


{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}(1).
هذا ما يتعلق بطبيعة الإنسان كمكلف إلا أن هناك شقا آخر في فهم التكليف يعد ضروريا ومهما، وهو (الأحكام التكليفية) وقد حدد الفقهاء هذه الأحكام في أنها: [ما اقتضى طلب الفعل من المكلف، أو كفه عن فعل، أو تخيره بين فعل والكف عنه](2). أو هو: [خطاب الله، المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخير أو الوضع](3).
وينقسم الحكم الشرعي التكليفي خمسة أقسام: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، وهذه الأقسام تجعل الفعل الصادر من المكلف ذا قيمة أو غير ذي قيمة، وتفصيل ذلك فيما يلي:
* الإيجاب: هو [ما اقتضاه خطاب الله من المكلف اقتضاءً جازمًا، لا يجوز تركه] كالأمر بالصلاة والزكاة والحج، والذي يتعلق بالإيجاب من فعل المكلف: الواجب وهو: [الفعل الذي يذم شرعا تاركه قصدا، أو هو الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه قصدا](4).
__________
(1) لقمان:17-19.
(2) عبدالوهاب خلاف: أصول الفقه، ط 8، مكتبة الدعوة الإسلامية ( بدون تاريخ )، ص 101 .
(3) محمد حسن هيتو: الوجيز في أصول التشريع، ط1، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1403÷ت/1981م، ص 99 .
(4) المرجع السابق، ص 43، 44 .

(1/73)


- والندب: هو [ما اقتضاه خطاب الله من المكلف اقتضاء غير جازم بأن يجوز تركه] وذلك كالأمر بصلاة الليل والضحى، وصدقة التطوع وإفشاء السلام وغير ذلك، ويتعلق بفعل المكلف ويسمى (مندوبا) وهو الفعل الذي يحمد فاعله ولا يذم تاركه، أو هو الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وقد قسمه العلماء أقساما كثيرة(1).
- والكراهة: هي [ما اقتضى خطاب الله تعالى من المكلف تركه اقتضاء جازما، بأن منع من فعله ولم يجوزه] كالنهي عن الزنا، وأكل ما ل اليتيم، والغيبة والنميمة.. ويتعلق بفعل المكلف،ويوصف (بالحرام) وهو الفعل الذي يذم شرعا فاعله قصدا، أو هو الذي يعاقب فاعله ويثاب تاركه(2).
- والإباحة: هي [ما كان الخطاب فيها غير مقتض شيئا من الفعل والترك، بل خُيِّر المكلف بينهما] ويتعلق بفعل المكلف ويوصف (بالمباح) وهو الفعل الذي لا يتعلق بفعله مدح ولا ذم، أو هو الفعل [الذي لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه(3).
وهكذا يتضح أن أفعال المكلف تتعلق ببواعث ومثيرات ومعايير معينة، تشكل اتجاهه نحو الأشياء والأفكار والأفعال، والناس مما يجعل هذا الفعل أو هذا السلوك ذا قيمة أو غير ذي قيمة فإذا ما انطبعت نفس الإنسان على الفعل والترك كان ذلك خلقا له.
وخلاصة الأمر أن الإسلام أتى بتلك الأحكام كمعايير لسلوك المسلم، لينظم لهم حياتهم ويصنع بهم العمارة الكبرى في الحياة، ولم يتركهم هملا ولم يكلفهم من أمرهم عسرا، وإنما أخذهم بخطة رشيدة تجعلهم يقومون بأعباء الحياة ويعيشونها على نحو فاضل كريم، وكان هذا من باب تزكية الفرد والجماعة لتكون القيم الخلقية معايير ضابطة، ولتكون موصولة بالله تعالى. ومن خلال ذلك يتضح أن الإسلام أعطى للإنسان قيما حقيقية لضبط الحياة وتنظيمها فيتمكن الإنسان من أداء دوره ورسالته المكلف بها.
__________
(1) المرجع السابق ص 43 - 44، وراجع: عبدالوهاب خلاف، مرجع سابق، ص 112 .
(2) المرجع السابق ص 43، 44 .
(3) المرجع السابق ص 43، 44 .

(1/74)


أركان الفعل الخلقي في الإسلام:
على أساسٍ مما سبق وعلى ضوئه يمكننا التعرض لبعض الجوانب المتصلة بالأخلاق في الإسلام، حيث إن الأخلاق الإسلامية تعنى إرساء القيم العالية الرفيعة المتصلة بكل نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والسلمية والحربية، والدينية.
أولاً: الإلزام الخلقي ومصدره:
أي عمل يوجه إليه الإسلام لا بد أن يكون موصوفا بالصفة الخلقية، فالواجب، والخير وغيرهما يقومان على فكرة القيمة، التي تستمد من مثل أعلى، وفي الأخلاق الإسلامية فإن الوحي والعقل يعتبران المصدر الأساسي للإلزام الخلقي، جنبا إلى جنب، باعتبارهما مستويين للمصدر الخلقي، وعلى هذا فيمكن التعبير عن ذلك بالمصدر الفطري، والمصدر الموصى به.
وعلى هذا تكون مصادر الإلزام الخلقي كما يلي:
(أ) المصدر الأول: القرآن الكريم:
وهو كتاب الله الذي نزل على النبي
J بألفاظه ومعانيه ليكون [حجة للرسول على أنه رسول الله، ودستورا للناس يهتدون بهداه، وقربة يتعبدون بتلاوته، وهو المدون بين دفتي المصحف، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس، المنقول إلينا بالتواتر كتابة ومشافهة جيلا عن جيل محفوظا من أي تغيير أو تبديل(1).
وتشير المؤلفات في أصول الفقه وفي تفسير القرآن إلى احتواء القرآن على آيات تتصل بأحكام العقيدة، والأخلاق، والأعمال الصادرة عن المكلف، وهذه تسمى بالأحكام العملية، وتنتظم على فرعين: العبادات والمعاملات، ويمكن القول بأن القرآن باعتباره معبرا عن الإرادة الإلهية هو المصدر الأساسي للإلزام الخلقي، إذ أن آياته تنتظم على النحو التالي:
- آيات الاعتقاد وهى تتعلق بما يجب على المكلف أن يعتقده في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره.
- آيات تتعلق بما يجب على المكلف أن يتحلى به من الفضائل ويتخلى عنه من الرذائل.
__________
(1) عبدالوهاب خلاف: أصول الفقه، مرجع سابق، ص 23 .

(1/75)


- آيات تتعلق بما يصدر عن المكلف من أعمال وأقوال وتصرفات وهي على نوعين: العبادات، ويقصد بها تنظيم علاقة الإنسان بربه، والمعاملات ويقصد بها تنظيم علاقات الناس بعضهم ببعض سواء كانت علاقات أفراد أو أمم أو جماعات، وهذه تضم أخلاقا تتصل بالأسرة، والقضاء ونظام الحكم، ومعاملات الدولة الإسلامية، ومعاملات غير المسلمين، كما تضم أخلاقا تتصل بالنواحي المادية والاقتصادية(1).
وغاية الأمر، فإن القرآن يحتوى على النسق القيمي الإسلامي بأبعاده المتعددة، فهذا المصدر الأول للإلزام الخلقي. وهو جامع لكل ما يحتاج إليه البشر من موعظة حسنة لإصلاح أخلاقهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة، والحكم البالغة لإصلاح خبايا النفس وشفاء أمراضها الباطنة وهداية واضحة للصراط المستقيم الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة. وهذا مقتضى قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}(2).
والقرآن كتاب الله سبحانه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال الله تعالى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ}(3). وقال: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}(4).
(ب) المصدر الثاني: السنة:
__________
(1) عبدالوهاب خلاف، ص 32-34 .
(2) يونس:57.
(3) الجاثية:29.
(4) الأنعام:38.

(1/76)


وهى [ما صدر عن رسول الله J من قول أو فعل أو تقرير](1). فهي بهذا سنة قولية، وسنة فعلية وسنة تقريرية}(2). وهى مكملة للكتاب وشارحة له، وقد أجمع المسلمون على مر العصور على أن [ما صدر عن رسول الله J من قول أو فعل أو تقرير، ونقل إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح بصدقه يكون حجة على المسلمين، ومصدرا تشريعيا يستنبط منه المجتهدون الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين. أي أن الأحكام الواردة في هذه السنن تكون مع الأحكام الواردة في القرآن قانونا واجب الاتباع](3).
ومع هذا فالسنة [أصل في الاستنباط قائم بذاته](4). وقد أمرنا الله ـ عز وجل ـ باتباع الرسول الكريم
J في كثير من آيات القرآن، يقول الحق تبارك وتعالى:
- {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(5).
- {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ}(6).
- {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (7).
- {يَأَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}(8).
__________
(1) عبدالوهاب خلاف، أصول الفقه ص 36.
(2) الإمام أبو الحسن على بن محمد بن حبيب البصري الماوردي: الحاوي الكبير، تحقيق محمد مطرحي، جـ1، بيروت، دار الفكر، 1414هـ/1994م ص 29 من المقدمة للمحقق .
(3) عبدالوهاب خلاف، مرجع سبق ص 37 (بتصرف).
(4) محمد أبوزهرة: أصول الفقه، القاهرة، دار الفكر العربي، (بدون تاريخ )، ص 84 .
(5) النساء:65.
(6) النساء:80.
(7) النور:56.
(8) الأنفال:24.

(1/77)


وكما يقول محمد عبدالله دراز: [إن كل حديث صحيح لم يرد ما ينسخه، وكان موضوعه جزءا من رسالة النبي J، هذا الحديث له في نظر المسلمين نفس السلطة الأخلاقية التي للنص القرآني، ولو اشتمل الحديث علاوة على ذلك، تفصيلات وتحديدات أكثر مما اشتمل عليه النص القرآني، فإن هذا الحديث هو الذي يبين النص القرآنى، ويفسره، ويحدده، ويبين نماذج تطبيقه](1).
وقد أوجب الله تعالى لأمته أمرين:
أحدهما: البيان، والثاني: البلاغ.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}(2).
وأوجب للرسول على أمته أمرين:
أحدهما: طاعته في قبول قوله، والثاني: أن يبلغوا عنه ما أخبرهم به(3).
كما قال
J: [ليبلغ الشاهد منكم الغائب](4).
وقال
J: [بلغوا عني ولا تكذبوا فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه](5).
__________
(1) محمد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن، مرجع سابق، ص 41 .
(2) المائدة: 67، أبو الحسن على بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، أدب القاضي، تحقيق محيي هلال السرحان، جـ1، بغداد، مطبعة الإرشاد، 1391هـ/1971م، ص 368 .
(3) المرجع السابق، ص 369 .
(4) حديث صحيح، انظر: صحيح الجامع الصغير وزياداته للألباني، ص945 حديث رقم5352، بلفظ [ ليبلغ الشاهد الغائب]. [وليبلغ شاهدكم غائبكم ] . ورواه كثيرون، انظر: مجمع الزوائد 1/139 .
(5) حديث صحيح، أخرجه أبوداود في كتاب العلم، باب (10) حديث رقم (3660) 3/322، والترمذي في كتاب العلم، (2656) 5/33،34، والدارمي (228) 1/86، وابن حبان (6256) 14/149 .

(1/78)


يقول الماوردي: [ولما كان الرسول J لا يقدر أن يبلغ جميع الناس للعجز عنه اقتصر على إبلاغ من حضر لينقله الحاضر إلى الغائب، ولما لم يبق فيهم إلى الأبد فكل من يأتي في عصر بعد عصر يأخذون بمن تقدمهم من عصر وينقلون إلى من بعدهم من عصر، لينقل عنه كل سلف إلى خلفه فيستديم على الأبد نقل سننه ويعلم جميع ما يأتي لشرائعه.
فصار نقل الأخبار عنه واجبا على أهل كل عصر وصار قبولها واجبا في كل عصر، فلذلك صارت الأخبار عنه أصلا من أصول الشرع](1).
ويذكر ابن حبان: [قال أبو حاتم ـ رحمه الله ـ قوله [بلغوا عني ولو آية] أمر قصد به الصحابة، ويدخل في جملة هذا الخطاب من كان بوصفهم إلى يوم القيامة في تبليغ من بعدهم عنه
J، وهو فرض على الكفاية، إذا قام البعض بتبليغه سقط عن الآخرين فرضه، وإنما يلزم فرضيته من كان عنده منه ما يعلم أنه ليس عند غيره، وأنه متى امتنع عن بثه، خان المسلمين، فحينئذ يلزم فرضه.
وفيه دليل على أن السنة يجوز أن يقال لها: الآي، إذ لو كان الخطاب على الآي نفسه دون السنن، لاستحال، لاشتمالهما معا على المعنى الواحد](2).
__________
(1) الماوردي: أدب القاضي، مرجع سابق، ص 370 .
(2) الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي: الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط. الطبعة الأولى، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1412هـ/1991م، جـ14/149.

(1/79)


وكل هذا يؤكد المعنى الذي نريد وهو أن السنة الأصل الثاني أو المصدر الثاني من مصادر الإلزام الخلقي في الإسلام، لأن ما صدر عن الرسول J مما يتصل ببيان المنهج الإسلامي هو شرع متبع، وبالتالي يكون خلقا من أخلاق الإسلام، وما صدر عنه بمقتضى طبيعته البشرية فهو ملزم إذا قام على ذلك دليل يدل على أن المقصود من فعله الاقتداء، وكذا ما صدر عنه بمقتضى الخبرة البشرية أو بمقتضى العادات الجارية، أما ما صدر عنه ودل الدليل على أنه خاص به فلا يعتبر تشريعا لعموم المسلمين. وعليه: فإن ما يثبت بدليل يقصد به التشريع العام واقتداء المسلمين به فهو من قبيل الإلزام،لأنه قانون يجب اتباعه(1).
ومهما يكن من أمر، فإن السنة زاخرة بالأخلاق، ولا غرو فهي حياة النبي
J، والمجتمع الإسلامي المعاصر له، ولأنها مصدر تشريعي لهذه الحياة كانت بالتوجيه ملازمة للقرآن، وبالتالي فإن اعتبارها مصدر الإلزام الخلقي أمر واجب.
(جـ) المصدر الثالث: الإجماع:
وهو[اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة الرسول
J على حكم شرعي في واقعة] (2).
ومعنى الاتفاق: الاشتراك إما في القول أو في الفعل أو الاعتقاد، والمقصود بأهل الحل والعقد المجتهدون في الأحكام](3). وإذا أجمعوا على فعل نحو أكلهم طعاما دل إجماعهم على إباحته، كما يدل أكله عليه الصلاة والسلام على الإباحة، ما لم تقم قرينة دالة على الندب أو الوجوب](4).
والأدلة عليه في القرآن كثيرة منها:
- {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}(5).
__________
(1) عبدالوهاب خلاف: مرجع سابق ص 43،44، ومحمد أبوزهرة، مرجع سابق ص 89، 90 .
(2) عبدالوهاب خلاف: مرجع سابق ص 45 .
(3) يوسف حامد العالم، مرجع سابق، ص 61 .
(4) المرجع السابق: 61
(5) البقرة:143.

(1/80)


- {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ....}(1).
- {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا](2).
- {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا...}(3).
- {يأَيَهُّاَ الَّذِينَ أَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ....} (4).
ومن النصوص النبوية، قوله
J، [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون](5). وفي تفسير البخاري: أن الطائفة هم أهل العلم.
ويعلق محمد عبدالله دراز: [أنه إذا كانت عصبة الحق لا تزال باقية في العالم الإسلامي، فإن فكرة الاتفاق الإجماعي على الضلالة سوف تكون إذن مستبعدة، على أنها أمر محال من الوجهة العملية في العالم الإسلامي](6).
__________
(1) آل عمران:110.
(2) النساء:115.
(3) آل عمران:103.
(4) النساء:59.
(5) ابن حجر: الفتح ( ط المكتبة التجارية) ( 7311) 13/.227
(6) محمد عبدالله دراز، مرجع سابق، ص 43 .

(1/81)


ودور الإجماع هو حسم مشكلة جديدة، ذات طابع أخلاقي أو فقهي، أو عبادي، أما الحياة المادية فليس له النظر فيها، وشرط الإجماع أن يكون كل عضو مدركا لاستقلاله الأدبي ولمسئوليته الأخلاقية وأن يعبر عن رأيه في حرية، بعد تأمل ناضج في المشكلة المعروضة ولا أحد يمكن أن يكون مجتهدا في هذه الجماعة إلا إذا كان له حق الاجتهاد، أما من له هذا الحق فهم أولئك الذين توفرت فيهم الشروط التي نص عليها العلماء في هذا الشأن، وقد كان الشافعي ـ رحمه الله ـ مِنْ أسبق مَنْ جمع الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب الله، فرضه وأدبه، وناسخه ومنسوخه، وعامِّه وخاصِّه وإرشاده، ويستدل على ما احتاج التأويل منه بسُنَن رسول الله J، فإذا لم يجد سنَّة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس، ولا يمكن أن يقيس حتى يكون عالمًا بما مضى فيه من السُّنَّة وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم ولسان العرب، وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما قال، وترك ما يترك. فأما مَنْ تَمَّ عقله ولم يكن عالمًا بما وصفنا فلا يجوز أن يقول بقياسٍ، ومن كان عالمًا بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة فليس له أيضًا أن يقول بقياسٍ، لأنه قد يذهب عليه عقل المعاني(1)، وقد استنبط بعض الباحثين شروطًا أخرى للمجتهد ليس هنا محل تفصيلها(2). ولينظرها من شاء في مظانها من كُتُب الأصوليين.
(د) المصدر الرابع: القياس:
__________
(1) بتلخيص من الرسالة للإمام الشافعي (509 - 510).
(2) انظر في ذلك مثلاً: كتاب الاجتهاد في الشريعة الإسلامية لمحمد فوزي فيض الله، والبحثين القيمين للشيخ زكريا البري (233 - 256)، والشيخ علي الخفيف (250 - 232) المنشورين ضمن منشورات المجلس العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض 1404هـ

(1/82)


القياس يفترض وجود حالة نقيس عليها، تمثل بها الحالة الجديدة، وعلى ذلك فالحالة الأصلية ينبغي أن يكون قد سبق لها ذكر في القرآن أو في السنة، أو في الإجماع، ولذا يعرف بأنه [إثبات حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت](1).
وللقياس حجيته، ولهذه الحجية أدلتها من القرآن، والسنة، والإجماع(2). ومهما قيل في أمر القياس فإننا لا نجد وراء جهود الفقهاء إلا التوصل إلى المنبع الوحيد الذي يستقي منه الناس جميعا هو حكم الله وهو الحكم الذي أثبته القرآن، ثم الحديث، فالإجماع فالقياس. فالله سبحانه هو إذن المشرع، وليس الآخرون سوى مقررين لأمره وحكمه، بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة(3).
وعموم القول هنا، أن الإلزام الخلقي في الإسلام يستند إلى ما قرره الإسلام عن طبيعة الإنسان من حيث كونه حرًّا مختارا وهدى إلى طريقي الفضيلة والرذيلة، ففي الإنسان من حيث كونه فاعلا، عنصر أخلاقي بالمعنى الحق، وفي الأمر الخلقي عنصر آخر هو العقل والحرية، والمشروعية، وتلكم هي العوامل الأساسية في الالتزام الخلقي، ولذا كان القرآن يقف موقفا دافعا أمام عدوين خطيرين للأخلاق الإسلامية، أولهما: اتباع الهوى دون تفكير، والثاني: الانقياد الأعمى دون تمييز.
إذن فالإلزام الخلقي يقوم على مصدرين أساسيين أولهما: النور الفطري، والثاني: النور الشرعي. والأمر اختيار حر دنيوي ليس مفروضا علويا، ويرجع إلى استخدامنا الحسن أو السيئ لملكاتنا وقدراتنا وهي ملكات يزكي تثقيفها النفس، كما يدسيها ويطمسها إهمالها(4).
ثانيا: المسئولية الخلقية:
__________
(1) نادية محمد شريف العمري: القياس في التشريع الإسلامي، ط1، القاهرة، دار هجر، 1407هـ/1987م، ص 53.
(2) راجع في هذا: الطيب خضري السيد، الاجتهاد فيما لا نص منه، الرياض، مكتبة الحرمين، 1403هـ/1983م جـ1 ص13-561 .
(3) محمد عبدالله دراز، مرجع سابق ص 50 .
(4) المرجع السابق، ص 29 .

(1/83)


كل مسئولية تفترض الإلزام سلفا ويتبعه جزاء، وقد رأينا أن الإنسان مكلف، والأخلاق الإسلامية قائمة على التكليف، ويعني هذا أن الأخلاق الإسلامية قائمة على المسئولية التي تلزم الإنسان بالعمل الخلقي، وتعني المسئولية [تحمل الشخص نتيجة التزاماته وقراراته واختياراته العملية من الناحية الإيجابية والسلبية أمام الله](1).
وتقوم المسئولية على الحرية، ولا يكلف بها مجنون، وتسقط عن صاحب الإرادة المسلوبة، ويشترط في المسئولية الكاملة أن يكون هناك نص ثابت يأمر بالفعل أو بالترك، وأن يكون المسئول كامل الأهلية، ومعنى هذا أن المسئولية الخلقية تقوم على مبدأ الالتزام الخلقي(2).
وقد ثبت أن الإنسان لديه أهلية للقيام بهذه المسئولية، والقيام بها شرف للإنسان، وعلى هذا نجد أنفسنا أمام أنواع من السلطة التي تحدد المسئولية، وهي:
1 - سلطة داخلية،أي إلزام الفرد نفسه بإرادة وقصد وتصميم، وهناك العزم على فعل شيء وهذا كاف لتحمل مسئولياته إن خيرا فخير وإن شرًّا فشر.
2 - سلطة خارجية، أي إلزام من خارج النفس، كأن يتلقى المسئولية من أناس آخرين، أو من سلطة أعلى.
وأيا كان الأمر، فإن الإنسان يكون مسئولا أمام نفسه، أو أمام الآخرين (الإنسان والمجتمع) أو أمام الله، هذا ما يعنيه التقسيم السابق، ومع هذا فإن الإنسان يظل مسئولا عن كل شيء أمام الله تعالى.
وعلى ما سبق يمكن أن يكون هناك ثلاثة أنواع من المسئولية:
1 - المسئولية الأخلاقية المحضة.
2 - المسئولية الاجتماعية.
3 - المسئولية الدينية.
__________
(1) مقداد يالجن: التربية الأخلاقية الإسلامية، ط1، القاهرة، مكتبة الخانجى، 1379هـ،/1977م، ص 331 بتصرف.
(2) راجع: عبدالمنعم الحفني: المعجم الفلسفي، القاهرة، الدار الشرفية، 1410هـ/1990م ص 319، 320 .

(1/84)


والمسئولية الأخلاقية المحضة هي ما تقابل الالتزام الذاتي من الإنسان نفسه على الإتيان بشيء أو الانتهاء عن فعل شيء، والمسئولية الاجتماعية هي ما تقابل الالتزام تجاه الإنسان وما يفرضه المجتمع من قواعد، أما المسئولية الدينية فهي ما تقابل الالتزام أمام الله تعالى. ولعله من الضروري الإشارة إلى أن كلا من المسئولية الأخلاقية والمسئولية الاجتماعية إنما هما مسئولية دينية، وفي الوقت ذاته هي مسئولية خلقية، إذ أنه على حد قول (دراز): [فالمسئولية التي يحملنا إياها غيرنا تصبح بمجرد قبولنا لها مطلبا صادرًا إليه شخصنا. وإذا فليس من المستغرب أن نرى القرآن يقدم لنا المسئولية الدينية ذاتها في صورة مسئولية أخلاقية محضة حين يقول بمناسبة بعض التعاليم المتعلقة بالصوم المفروض، وقد تحايل بعض الناس على التخلص منه سرا: {عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ}(1). وفي كثير من الأحيان لا يكتفي الكتاب، حين يستحث المؤمنين إلى الطاعة بأن يذكرهم بالأمر الإلهي، بل يذكرهم في الوقت نفسه بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم بأن يطيعوا هذا الأمر](2).
معنى هذا أن الالتزام الذاتي، والمؤسسات الاجتماعية لا حق لها في إصدار التكليف، والمسئولية، ما لم تكن مفوضة من قبل السلطة الإلهية،ويعني هذا أن الأخلاق مرتبطة بالدين ارتباطا واسعا، ولا يمكنها الفكاك من أسره، وعليه فعلى الإنسان المسلم أن يتحمل مسئوليته الخلقية التي أقرتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويراعي الأمانة بناء على الأمانة التي حمَّلها له القرآن، على أساس من المبادرة الفردية وحفظ العهد، في إطار شرع الله وهذا واجب عليهم.
__________
(1) البقرة: 187 .
(2) اقرأ: {وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ} الحديد: 8 . { إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} المائدة: 7 . محمد عبدالله دراز مرجع سابق ص 141 .

(1/85)


كما أن عليه أن يتحمل مسئوليته عن التكاليف والأعمال تجاه الآخرين، وذلك انطلاقا من قول الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ}(1). وذلك في إطار شرع الله، أما إذا كان أي من هذه الأمور مخالفا لما في القواعد الإسلامية مخالفة صريحة، فإن عليه أن لا يأتيها. يقول الرسول الكريم J: [السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة](2). أي لا يجب السمع والطاعة في الأمر بالمعصية، قال ابن حجر: [يحرم على من كان قادرا على الامتناع، وفي حديث معاذ عند أحمد [لا طاعة لمن لم يطع الله] وعنده وعند البزار في حديث عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري [لا طاعة في معصية الله] وسنده قوي(3). وفي مسند أحمد [لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق](4).
وعن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا: أصلحك الله حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي
J، قال: دعانا النبي J فبايعناه. فقال: فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان](5).
__________
(1) المائدة: 1 .
(2) البخاري ـ الفتح، مرجع سابق، 13/130 حديث رقم 7144،ط الريان .
(3) فتح الباري، مرجع سابق 13/31-132، ط الريان .
(4) أحمد بن حنبل، المسند، رقم أحاديثه محمد عبدالسلام عبدالشافي ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، 3141هـ/3991 م (5/66)، حديث رقم 20680 .
(5) البخاري ـ الفتح، مرجع سابق، 13/7، حديث رقم 7055، 7056 .

(1/86)


يقول ابن حجر في قوله: [أن لا ننازع الأمر أهله] أي الملك والإمارة، زاد أحمد عن طريق عمير بن هانيء عن جنادة [وإن رأيت أن لك رأيا وإن اعتقدت أن لك في الأمر حقا فلا تعمل بذلك الظن بل اسمع وأطع إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة] وفي قوله [إلا أن تروا كفرا بواحا] قال الخطابي: معنى قوله بواحا يريد ظاهرا باديا من قولهم باح بالشيء يبوح به بوحا وبواحا إذا أذاعه وأظهره] [وعندكم من الله فيه برهان]: [أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل، قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم] (1).
وبهذا يتحقق الاتزان حيث يطيع الإنسان المسلم الأوامر المتسقة مع نصوص القرآن والسنة، ولا يتبع ما يخرج عن أوامرهما أو يتعارض معهما. ولا بد إذن من الإشارة إلى أن المسئولية شاملة متكاملة، إذ أن كل إنسان مسئول مسئولية كاملة عن كافة أعماله، وما منحه من قدرات وإمكانيات، يقول الله تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً}(2). وقال رسول الله
J: [لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه](3).
__________
(1) فتح الباري، مرجع سابق 31/10، 11 .
(2) الإسراء: 36 .
(3) أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة: الجامع الصحيح، سنن الترمذي، تحقيق كمال يوسف، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1408هـ/1987م، 4/529 حديث رقم 2417، وقال: هذا حديث حسن صحيح .وقال محقق [جامع الأصول](10/436): وهو كما قال.

(1/87)


ويقول الرسول J: [كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية، ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته](1).
وكما نلاحظ، فإن المسئولية شاملة كل شيء في حياة الإنسان. إذ أن كل فرد مسئول مسئولية تامة عن حسن سير الأمور في مجاله، سواء كانت عامة أم خاصة، إذا وكلت إليه، وأسند إليه مسئوليتها.
شروط المسئولية الخلقية في الإسلام:
ذكرنا أن الأخلاق في الإسلام تقوم على أساس من التكليف، وذكرنا أن الإنسان لكي يكون مكلفا، لابد أن يكون حرا، وأن تكون لديه الإمكانيات اللازمة للقيام بمهام التكليف، وأوضحنا ذلك بما يكفي للإفادة في هذا المجال، ومع هذا فيمكن عرض شروط تحمل المسئولية في إيجاز فيما يأتي:
1 - الإعلام والبيان:
إن الإنسان يجب أن تصل إليه الدعوة، وذلك حتى تستيقظ الضمائر الغافلة، وهذا لا يتم إلا بإعلام الإنسان بما هو مفروض وواجب عليه فعلا أو تركا، بمعنى أن الإنسان لابد وأن يكون عالما بما هو مكلف به.
وقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يعلم الإنسان وتعلم الأمم بواجباتها وحقوقها عن طريق الرسل الذين يذكرونهم دائما بالأوامر الشرعية من أجل تحقيق المسئولية والالتزام، وقد وردت الآيات القرآنية دالة على ذلك، فما كان الله ليحاسب إلا بعد الإبلاغ والبيان والإعلام، وما كان الله ليعذب أهل القرى دون أن يرسل لهم الرسل والأنبياء لدعوتهم إلى التقوى والصلاح وحتى يكونوا شهداء عليهم،يقول الحق تبارك وتعالى:
- {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (الإسراء: 51).
- {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} (القصص: 59).
__________
(1) ابن حجر ـ الفتح، مرجع سابق، 10/375، حديث رقم 5200 وقد وردت روايات متعددة في أرقام: 2554، 2558، 1572، 5188 .

(1/88)


- {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا مُنْذِرُونَ * ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} (الشعراء: 208، 209).
- {هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 138).
- {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (إبراهيم: 4).
إن معنى ذلك أن هذا البيان والإعلام هدفه الأساسي رد الناس إلى الاهتداء بنور الوحي المنزل حتى يصلوا إلى الهداية، فإذا ضلوا كان العذاب الغليظ، وإذا اهتدوا كانوا في سعادة في الدنيا والآخرة. وذلك حتى يكون الجزاء لعمل ناتج عن عمل. وحتى يكون الحساب على أفعال قد علموا مسبقا أحكامها.
2 - الالتزام الشخصي:
وتتسم المسئولية الخلقية في الإسلام بأنها ذات طابع شخصي فردي خالص، ونجد كثيرا من الآيات القرآنية الدالة على ذلك:
- {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}(1).
- {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}(2).
- {وَأَن لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى}(3).
فالإنسان مسئول مسئولية كاملة عما يصدر عنه من أفعال، وعلى ذلك يأتي الثواب والعقاب. فمسئولية كل فرد واضحة جلية عن العمل الذي يقوم به سواء كان هذا العمل من أجل نفسه أو من أجل الغير إذ هو لا يتحمل تبعة عمل إنسان غيره، ولكنه مسئول عن الطريقة التي أتى بها هذا العمل أو ذاك بعد أن علم وتعلم سبل الخير والشر.
__________
(1) البقرة:286.
(2) الإسراء:15.
(3) النجم:39.

(1/89)


إلا أن هذه المسئولية الفردية لا تمنع الفرد أن يكون مسئولا عن انحراف مسلك أقرانه، فعليه أن يتدخل بوسائل مشروعة ليمنع الجماعة من التمادي في الأعمال التي تضر المجتمع الإسلامي، وهنا تتحول المسئولية إلى مسئولية ذات طابع جماعي، حيث إن هذه الجماعة ما هي إلا مجموعة الضمائر التي تربت في أحضان المدرسة الإسلامية الحقة. فأوجدت المجتمع المتكافل والمتعاون الذي يعمل من أجل الخير والسلام(1).
3 - النية (القصد):
وهذا الشرط يتعلق بعلاقتنا بالعمل، وهذه العلاقة علاقة إرادة، فبعد المعرفة والإعلام، والذي أنتج الطابع الشخصي للمسئولية، فإن هناك مركزا داخليًّا في النفس الإنسانية تصدر عنه إرادة العمل، أو النية، حيث يتبنى الإنسان الفعل أو يحققه ويؤكده من داخله، والإنسان ليس بما يفعل،فحسب بل بما يرغب فيه بشغف، وبدون ذلك يصبح عمل الإنسان آليا، ومجرد صدفة في العالم الذي يعيش فيه، فالأخلاق الحقيقية ينصب اهتمامها على النية أن تريد وأن تعمل، وذلك أمر إنساني فبالإرادة والعمل ينتهي مجال الأخلاق، أما النتائج والمعطيات فهي أمور بيد الله تعالى.
ولعله من المهم الإشارة إلى أن الإنسان غير مسئول عن الأعمال اللاإرادية للإنسان حيث يفتقر إلى الإرادة، ولا هو مسئول عن الفعل الخطأ غير المقصود أو المراد وذلك لعدم استهدافها الشر أو الخطأ. فالإنسان لا يحاسب على عمل إلا إذا توافر القصد الكامل له. وهذا مصداق قوله سبحانه وتعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}(2).
__________
(1) محمد ممدوح محمد علي العربي: الأخلاق السياسية في الفكر الإسلامي، مرجع سابق،ص 220، 221 . وراجع: محمد عبدالله دراز: دستور الأخلاق للقرآن، مرجع سابق، ص 155 .
(2) الأحزاب:1.

(1/90)


وهكذا يظهر دور النية في الأخلاق الإسلامية باعتبارها شرطا ضروريا،وعلى ذلك هي شرط للمسئولية، ومصداق هذا قول رسول الله J: [إنما الأعمال بالنيات](1). ويفيد الحديث أن الأعمال لا قيمة لها إلا بالنية، وأن الأعمال بنياتها، وعلى هذا فالأعمال لا توجد [أخلاقيا] إلا بالنية، وهذا يؤكد وجود النية كشرط لقيمة الفعل الخلقي(2).
4 - حرية الاختيار:
حين تتحقق شروط المعرفة والعمل الإرادي على بصيرة من الفرد بما يعمل، فليس معنى ذلك أن العمل قد استوفى جميع شروط المسئولية، إذ أن هناك شرطا آخر على درجة من الأهمية، وهو القدرة وفاعلية الجهد الإنساني، أو بتعبير آخر: الحرية. ويؤكد دراز على ذلك بقوله: إن مبدأ التناسب بين المسئولية والحرية تمتد جذوره بعمق في الضمير الإنساني، بحيث لا يمكن تجاهله دون أن يبدو في موقفنا شيء من الإجحاف(3).
إن المسلم مطلوب منه استخدام قدرته على الاختيار حتى لا يتخذ من القضاء والقدر ذريعة للتهرب من المسئولية، وقد بسطنا القول قبل ذلك فيما يتعلق بشرط التكليف، وهو أن يكون الإنسان مختارا فلا معنى لكون الإنسان مجبرا على شيء ونحاسبه عليه وإنما يحاسب على اختياراته. إن الإنسان يصبح مسئولا، وهو يحقق ذاته بنفسه، وهكذا يصبح مسئولا أمام الله عما آتاه من فعل بإرادته وحريته.
__________
(1) ابن حجر ـ الفتح جـ1، حديث رقم (1) .
(2) محمد ممدوح العربي: الأخلاق السياسية، مرجع سابق، ص 220، 221، محمد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن، ص971، 081، وابن حجر: فتح البارى، (ط الشيخ بن باز، جـ1، ص 20، 21).
(3) محمد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن، مرجع سابق، ص 181 .

(1/91)


لعله قد تبين أن المعرفة لا تكفي دليلا على تحمل المسئولية الخلقية، ما لم تصاحبها النية (الإرادة الجازمة) تجاه الخير أو الشر، وهذه الإرادة وحدها ـ أيضا ـ لا تكفي، بل لا بد من الاختيار والقدرة والحرية التي تسلك معها في نمط واحد حتى تكون الخلقية هي الصفة الجوهرية التي تميز الإنسان المسئول في هذه الحالة(1).
وكما يقرر [دراز]: فالشروط الضرورية والكافية لمسئولياتنا أمام الله وأمام أنفسنا هي: أن يكون العمل شخصيا، إراديا، تم أداؤه بحرية [أي بدون إكراه] وأن نكون على وعي كامل وعلى معرفة بالشرع أو القانون(2).
ثالثا: الجزاء:
يعتبر الجزاء العنصر الثالث من عناصر النظرية الخلقية. فالقانون الخلقي يبدأ بتوجيه الدعوة إلى الإرادة، فتستجيب لتلك الدعوة، ثم بإعلان الالتزام تأتي المسئولية، كاستجابة جازمة، ثم يأتي التقويم بعد ذلك، أي يأتي الجزاء.
فالجزاء هو رد فعل القانون الخلقي على موقف الأشخاص الخاضعين لهذا القانون والملتزمين به.
وللجزاء ثلاثة ميادين هي:
1 - الجزاء الأخلاقي.……2 - الجزاء الشرعي.……3 - الجزاء الإلهي.
وفيما يلي تناول موجز لهذه الأنواع:
1 - الجزاء الأخلاقي:
يباشر الإنسان عمله طبقا لقواعد يعرفها ويحس بها، وبعد ذلك تحدث في النفس أصداء معبرة عن الرضا في حالة النجاح، وعن الألم في حالة الفشل، هذا يتعلق بالإنسان الذي يعرف أن هناك قواعد للسلوك، أما ذلك الإنسان الذي لا يعرف قواعد السلوك فإنه يكون فاقدا لمعنى الخير والشر تماما، فما معنى هذا بالنسبة للجزاء الخلقي؟.
__________
(1) محمد عبدالله عفيفى: الأخلاق عند ابن تيمية، مرجع سابق، ص 187، 188.
(2) محمد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن، مرجع سابق، ص 222 .

(1/92)


يحلل ذلك الدكتور دراز متوصلا إلى أن الندم لا يعتبر جزاء لما يقترفه الفرد، وهو ليس بعقوبة أو مكافأة للقانون الأخلاقي. ويرى كذلك أن المتعة والألم اللذين نحس بهما بعد أن نفعل خيرا أو شرا هما رد فعل لضميرنا على ذاته، أكثر من أن يكون رد فعل للقانون علينا. فهما تعبيران طبيعيان يدلان على توافق في الذات مع المثل الأعلى، أو على تضاد الذات معه. وهذا ما تدل عليه النصوص النبوية. يقول رسول الله J: [إذا ساءتك سيئتك، وسرتك حسنتك فأنت مؤمن](1). فالحديث لم ينظر إلى حالات النفس هذه على أنها ثواب يقتضيه سلوكنا، وإنما رأي فيه ترجمة وتحديدا للإيمان الخلقي.
وفي حديث آخر: [إنه المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه](2). وهذا يعود إلى درجة شدة اللوم الباطن التي تعكس صدق إيماننا وتقيس درجته قياسا دقيقا فنحن نشعر بمساءة الذنب وخطورته فينا لدرجة شعورنا الحي بالتكليف.
وهذا كله يشير إلى أن الندم لا ينشيء جزاء ثوابيًّا، ولا جزاء إصلاحيًّا. ولذا فإن الجزاء الخلقي الصحيح هو ذلك الشعور الذي يعيد تثبيت القانون المنتهك وهو (التوبة)، والندم هو مقدمة التوبة وإعداد لها. وهو محاولة لتجميع قوى النفس ورأب لصدعها، وتجد في حرارة الندم المؤلمة وسيلتها لتلتئم وتقوى، وتعاود حمل الأمانة من جديد بمزيد من الطاقة والحماس وقد يثير الندم التوبة، وقد لا يثيرها على وجه الإطلاق، أي أنه لا يستتبعها كنتيجة مبدئية(3).
__________
(1) مسند أحمد 5/251، 252، 256 .
(2) الترمذى، كتاب صفة القيامة 4/568 برقم 2479 .
(3) محمد عبدالله دراز: دستور الأخلاق في القرآن، مرجع سابق ص 842-052 (بتصرف).

(1/93)


وعلى هذا فالتوبة هي الجزاء الخلقي، يفرض تدخل الجهد من أجل الإصلاح، إنها واجب يفرضه الشرع على أثر تقصير في أداء الواجب، وهناك الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك(1). لكون التوبة كذلك، فإنها في ذاتها ندم على ما سلف، وإقلاع عنه في الحال، وعزم على عدم المعاودة في المستقبل(2).
إن التوبة لا يمكن أن تؤدي وظيفتها الإصلاحية في الأخلاق الإسلامية إذا اقتصرت على الأسف على ما اقترفناه من شر والعزم على عدم المعاودة ولكنها موقف أكثر تعقيدا، موقف ينظر للماضي والحاضر والمستقبل، ويتجلى في الأفعال لا في اتخاذ خط سلوكي جديد فقط، بل أيضا في إعادة تجديد البناء الذي تهدم بصورة منهجية، وقد أوضح القرآن مجموع الشروط الموضوعية الضرورية ليصبح للتوبة عائدها الحقيقي هو الغفران.
- {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}(3).
فليس المهم التوبة فقط، وإنما الإصلاح، إصلاح ما نقص أو فسد أو أفسده الإنسان وهذا الإصلاح يتمثل في أمور عدة:
- إما في عمل ناقص، ويجب أن يعاد، ويؤدى بطريقة مناسبة آجلا أو عاجلا.
وإما في إصلاح شر بتعويض آثاره من سلبيات إلى تقليل آثاره السلبية بأداء أفعال ذات طبيعة مناقضة للفعل الأول: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}(4).
{وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَأَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا}(5).
__________
(1) راجع: صفة التوبة من صفات الموسوعة .
(2) راجع ابن القيم: مدارج السالكين لابن القيم، جـ1، ص 202، 203 .
(3) البقرة: 160، الأنعام: 54، والنحل 119 .
(4) هود: 114 .
(5) التوبة: 102 ـ 103 .

(1/94)


- وإما في خطأ واجب إزالته: وفي هذا المجال يميز الرسول J بين أخطاء تنتهك واجبا شخصيا، وما يطلق عليه: حق الله. وهو إما أن يكون خالصا أو مختلطا عن إنسان آخر. وبين أخطاء ترتكب في حق العباد، وهو ما يسمى: حق العباد.
والأخطاء التي في حق الله تعالى يغفرها الله تعالى، إلا الشرك. أما ما يتعلق بحق العباد فمهما فعلنا من أفعال طيبة مناقضة، ومهما دعونا الله أن يغفر لنا فإنه يظل عاجزا عن أن يصل إلى التوبة الكاملة، إذ يجب أن نحصل على إبراء صريح ومحدد من الذين أساءوا إليه، والأحاديث الشريفة في هذا المجال وافرة رويت في الصحيحين وفي المسانيد.
إلا أن الأمر لا يتوقف على مجرد الجزاء الإصلاحي. بل هناك جزاء ثوابي لممارسة القواعد الخلقية، فالفضيلة لها محاسنها، فالصلاة تجعلنا على اتصال بمنبع الكمالات، والزكاة تزكى، والصوم وسيلة إلى بلوغ التقوى، وبالجملة فإن ممارسة الفضائل تجعل الإنسان حكيما. شجاعا. كريما.
وكذلك ممارسة الرذيلة لا يتوقف أمرها على أضرار اجتماعية وفردية، بل يمتد أثرها إلى الجوانب النفسية والروحية. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ودلالتها واضحة.
وبالجملة كما يقول الدكتور دراز: [إن الجزاء الأخلاقي الثوابي يتمثل في الحسنة والسيئة أي في كسب القيمة أو خسارتها {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ}(1). {كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ(2)}(3).
2 - الجزاء الشرعي:
المراد بالجزاء الشرعي تلك العقوبات التي أقرتها الشريعة الإسلامية لأولئك الذين يتعدون حدود الله، فيظلمون بذلك أنفسهم أولاً، وغيرهم ثانيًا.
إنه إذا كان الجزاء الأخلاقي يتصل بتركيب النفس من حيث الإصلاح وتزكية النفس فإن الجزاء الشرعي جزاء تأديبي أو عقابي لكل من تسول نفسه تجاوز قانون الحياة في المجتمع الإسلامي.
__________
(1) المطففين: 7 .
(2) المطففين: 18 .
(3) محمد عبدالله دراز: دستور الأخلاق،مرجع سابق، ص 261 .

(1/95)


إن الترغيب والترهيب وإن كان لهما أثر بالغ في الردع عن مخالفة القواعد الشرعية لما يحدثانه من خشية وخوف ورجاء وطمع، ويؤازرهما في ذلك ما يُسمَّى بـ [الوازع الأخلاقي] المتمثل في محاسبة النفس ومجاهدتها وما ينجم عن ذلك من نهي النفس عن الهوى وابتعاد الإنسان عن ارتكاب الخطايا والآثام، إلا أن ذلك كله قد لا يكفي ـ أحيانًا ـ لكف بعض الأشقياء عن الظلم والاعتداء واقتراف الجرائم ومن ثم كان الوازع المتمثل في الحدود الشرعية، هاما وضروريا في هذا المجال، نظرًا لما لهذا الوازع من خطورة اجتماعية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الجزاء الشرعي يرتبط بارتكاب الأمور المنهي عنها شرعًا، تلك الأمور التي تُعد في حد ذاتها من المفاسد الأخلاقية، ومن هنا ندرك أهمية الجزاءات الشرعية في دفع المفاسد الأخلاقية(1).
إن لهذه الجزاءات الشرعية أهدافًا عديدة ترمي إلى تحقيقها منها:
1- الردع عن ارتكاب الجرائم أو تكرار ارتكابها، وبالتالي تربية هؤلاء وإصلاحهم.
2- جعل من يرتكب هذه المفاسد أو الجرائم عبرة وعظة لغيرهم، وزجر هذا الغير عن التشبه بهم.
3- تلافي الثأر، وإحلال الوئام والسلام في المجتمع والمحافظة على أمنه وسلامته(2).
وبالنظر في نظام المجازاة في التشريع الإسلامي يمكن أن نميز فيه مرتبتين أساسيتين هما:
1 - الحدود: وهي الجزاءات التي حددها الشرع بدقة وصرامة. وهي من حقوق الله تعالى، ولا تسقط بالعفو ولا بالصلح، وهذه تتعلق بالجرائم التالية:
الزنا، السرقة، القذف، شرب الخمر،البغي،قطع الطريق، الردة.
__________
(1) صبحي محمصاني، الدعائم الخلقية للقوانين الشرعية، ص 430 - 433 (بتصرف واختصار).
(2) السابق، ص 433 - 435 (بتصرف).

(1/96)


والصرامة في هذه العقوبات لا تتيح مجالا أمام أي تنازل أو حل وسط.وفي الأحاديث ما يوضح ذلك جيدا فلا شفاعة لأحد في حد من حدود الله ولا تنازل عن توقيع هذا الحد، يوضح هذا ما روي عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله J ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله J، فكلم رسول الله J، فقال: [أتشفع في حد من حدود الله؟] ثم قام فخطب قال: [يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها](1).
وهذه الأخطاء لا يجوز العفو فيها إلا إذا كان في المجال الخاص، فمتى وصلت السلطة الجريمة أصبح تطبيق الحد أمرا جازما لا رجعة فيه(2).
إن هذه الحدود باعتبارها حق الله تعالى: إنما جعلت للحفاظ على حياة الإنسان، وبدنه وماله وعرضه، بمعنى آخر الحفاظ على المقومات الأساسية لحياة الإنسان، ولأن الله خالقها وحده جل علاه، جعلها حرمات لا يجوز لأحد الاقتراب منها إلا بحقها فإذا ما تجاوز أحدٌ ذلك كان الحد.
__________
(1) صحيح البخارى (ط البغا )،جـ6 حديث رقم 6406، كتاب الحدود . باب 12.
(2) اقتصرنا هنا على ذكر الخصائص العامة، أما العقوبات نفسها فيمكن مراجعة كتب التشريع الإسلامي في هذا المجال .

(1/97)


وفي هذا المجال يشير دراز إلى حقيقة مهمة، وهي أن الجرائم التي تقع تحت طائلة القانون هي تلك الرذيلة التي تتفشى، وتعرض نفسها، وتتحدى، أما حالة الإنسان الذي يستتر، وترتعد فرائصه حين يخضع لأهوائه، وهو الواقع الذي لا ينكشف لنا، لا بذاته، ولا بواسطة صاحبه، فإنه سيكون من اختصاص محاكمة الله تعالى له. وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف حين يقول: [بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا..... فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه](1).
وفي نص آخر يشير إلى استهجان النبي
J فعل بعض الناس. ممن يقعون في الحرام خفية ثم يثرثرون بما فعلوا: [كل أمتي معافى إلا المجاهرين. وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه. فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه](2).
2 - التعزيرات: وهي عقوبات تأديبية يفرضها القاضي على جناية أو معصية لا حد فيها. ويتعلق بالتعزير حقان: حق الله وحق العباد، وما كان حق العباد فيه غالبا فيجوز قبول العفو فيه، وما كان حق الله فيه أغلب فبرغم عفو المتضرر فإن التعزير واجب.
وهنا تتنوع العقوبة الموقعة على المجرم من تأنيب، إلى تعنيف أمام العامة إلى السجن، إلى الجلد، ومن حق القاضي أن يتغاضى عن بعض الأخطاء القليلة حين تقع من إنسان ذي خلق.
وقد روي عن النبي
J: [أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود](3).
3 - الجزاء الإلهي:
__________
(1) صحيح البخاري ( ط . البغا ) - جـ 6، حديث رقم 6402، كتاب الحدود، باب 8 .
(2) المرجع السابق، جـ5 حديث رقم 5721، كتاب الأدب باب 60 وراجع دستور الأخلاق في القرآن 270، 272.
(3) سنن أبى داود، حديث رقم 4375 .

(1/98)


إذا كان النوعان السالفان من الجزاء ينتميان إلى مجال الواقع الدنيوي، فإن الجزاء الإلهي له طبيعته وامتداداته، ولعل هذا يرتبط أساسا بنظام التوجيه الإسلامي في القرآن والسنة، ولهذا بحثه الخاص، إلا أنه يمكن القول أن القرآن حدد الجزاء الإلهي في ناحيتين.
- الجزاء الإلهي في العاجلة: أي في الدنيا.
وهذا الجزاء الإلهي في الدنيا له عدة جوانب:
الجانب المادي: ويعني أن من يقوم بفعل الأوامر ويلتزم بقواعد السلوك الخلقي يحصل على نصيب من ثوابها في الدنيا، وكذا من يتجنب فعل الفضيلة ويأتي مضادها فإن الله يصب سخطه عليه في غضبه على هذا السلوك المنحرف. وفي القرآن أمثلة تؤكد ذلك:
{وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}(1).
وفي سورة سبأ وبعد عرض قصتهم يقول الله عز وجل: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِى إِلاَّ الكَفُورَ}(2).
وهكذا في قصة صاحب الجنتين، وفي قصة أصحاب الجنة، وفي قصص الأمم الأوائل الذين كذبوا الرسل، كل ذلك يدلنا على أن غير الملتزمين، والمتمردين يدفعون ويجازون من حياتهم،
أما حالات الإفساد العام أو انتشار الفساد الأخلاقي العام فإن الله سبحانه يقابلها بتدمير الشعب كله وإهلاكه، وينجي الله المتقين الصالحين المحسنين الطائعين.
وهكذا: وباستقراء آيات القرآن نجد أنه يثير اهتمامنا وانتباهنا وانتباه البشر جميعا إلى أن الأمن والترف ما كان ليعصم الناس من الجزاء الإلهي إذا انتشر الفساد.
__________
(1) النحل:112.
(2) سبأ:16- 17.

(1/99)


وهناك حالات يحتوي الجزاء فيها على حالات مادية، أو عناصر مادية: {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ}(1)، {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ}(2). {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّءَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}(3).
- تأييد الله لجماعة المؤمنين:
وهذا التأييد والنصر من الله سبحانه لجماعة المؤمنين الملتزمين بالقانون الخلقي، وهذا التأييد يشمل النصر والمساعدة والتثبيت، أما خصوم المؤمنين فهم مسوقون إلى الهزيمة والعذاب، وموعودون بالذل، ومشمولون بالخزي.
وفي نص واحد يبين الحق تبارك وتعالى هذا الجزاء الدنيوي في قوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ أَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}(4).
أما إذا ركن الناس إلى الأخلاق المنحلة، والفوضى والعصيان فإن الجزاء عبر عنه القرآن بقوله تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (5).
- الهداية والرشاد:
إن الأمر لا يقتصر على ما سبق من جزاءات مادية، أو جزاءات جماعية، فالجزاء الإلهي في الدنيا يمتد إلى هداية المؤمنين، وهداية قلوبهم، ويبدد ظلماتهم، ويوصلهم إلى النور، ويرشدهم إلى الطريق المستقيمة، ويمنحهم القوة على تمييز الحق من الباطل والخير من الشر، ويصلح نواياهم، ويزيدهم نورا، ويهدي خطاهم على دروب مستقيمة، وينزل في قلوبهم الطمأنينة والسكينة.
__________
(1) الطلاق:2-3.
(2) الزمر:10.
(3) النحل:41.
(4) النور:55.
(5) محمد:38.

(1/100)


أما الظالمون فيحدث لهم عكس ما يحدث للمؤمنين المتمسكين بالفضيلة. وكذلك المؤمنون إذا ما غيروا مواقفهم فإن ذلك يؤدي إلى سحب النعم الممنوحة لهم ليصبحوا كالظالمين تماما.
- رضا الله تعالى وحبه:
وهذا نوع من الجزاء العظيم، وهذا هو الهدف الأسمى الصالح للحصول عليه، حيث يسعى المسلم من خلال سلوكه إلى التمثل بالصفات المستحسنة عند الله، فهو من المحسنين والمقسطين، والصابرين، والمتقين، والمتطهرين، والمتوكلين، ومحبيه، الذين يقاتلون في سبيله، إن المسلم كلما وقف موقفا يحترم فيه أوامر الله تعالى كلما اقترب من رضاه ورحمته، وفي نفس الوقت كلما وقف موقفا لا يحترم فيه أوامر الله تعالى اقترب من سخط الله وعدم حبه.
2 - الجزاء الإلهي في الآجلة: (الحياة الأخرى):
لا يقتصر الجزاء الإلهي على الجزاءات الدنيوية والتي سبق بيانها، بل إن الجزاء الإلهي يمتد إلى الآخرة فهناك عودة للعدالة الإلهية، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}(1). {أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى}(2).
ومن ثم نجد تفرقة واضحة بين المؤمنين الصالحين، والظالمين، فلكل منهم جزاؤهم في الآخرة، مما يجعل العمل الدنيوي مرتبطًا أيضا بالجزاء الأخروي: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}(3). {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}(4).
__________
(1) المؤمنون:115.
(2) القيامة:36.
(3) الجاثية:21.
(4) ص~:28.

(1/101)


ولذا نجد الجزاء الأخروي على نوعين: الجنة للصالحين، وفيها نعيم مقيم وخلود دائم.والنار للعصاة والمفسدين والفجار خالدين فيها أبدا. ثم هناك الرضوان على المؤمنين وعدم الرضوان على الكفار والفاسدين(1).
والخلاصة:
أن المؤمن مرتبط دائما بخالقه، وبالقرآن الكريم وبالرسول
J ولو غفل في ساعة الضعف البشري عن العقوبة الآجلة أو الأخروية لارتكاب المنكر فإن تفهمه للعقوبة الدنيوية وقوة حجمها وشدة وطأتها يبعده عن الاقتراب من المنكر وينهاه عن أن تمتد قدمه أو يده إلى المحرم، ويرجعه إلى رشده والى ملكاته العقلية، فيتيقظ لديه الرادع الديني ويخمد نداء الشيطان وسرعان ما يستطيع أن يلجأ إلى الوسيلة التي تطرد عنه وسوسة الشيطان وما قد يزينه له من عمل يراه حسنا، هذه الوسيلة ميسرة ومعروفة لدى كل مسلم، ولا تكلفه سوى التصميم على عمل الخير والإرادة القوية لأن يتجنب طريق الغواية وسبيل الهوى والفساد، هذه الوسيلة هي قول الله تبارك وتعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} (المؤمنون 97/98) .
فالعقوبة الدنيوية طريق لتنبيه الغافلين وإيقاظ اللاهين وحاجز منيع يحول دون تجاوز طريق المباحات إلى المحرمات فكانت كإشارة المرور في الطريق لتبين معالم الخطر وحدود السبل التي يحق للسائق أن يسير بها في سيارته آمنا مطمئنا وحدود السبل التي لا يحق له أن يصل إليها ولا أن يمر بها ولا أن يدخل مداخلها، والرجوع عنها واجتنابها خير من إيقاع الذات بالخطر وخير من المهالك التي قد تقضي عليه وعلى غيره .
__________
(1) في مبحث الجزاء الأخلاقي إلى جانب ما ذكرناه من مراجع يراجع المصدر الرئيسي في هذا المجال وهو كتاب: دستور الأخلاق في القرآن للشيخ دراز ص 245 - 417 . وسنجد الكثير جدا من الإشارات حول الجزاء في ثنايا الموسوعة

(1/102)


والحدود الإسلامية التي هي العقوبات الدنيوية إنما شرعت للحفاظ على حياة الناس وأعراضهم ودمائهم وأعضائهم وقد يكون داعي القتل هو الغضب والعنف أو حب الجاه والمنصب والتعالي على الآخرين وقد عالج الإسلام ذلك بطريقة مثالية واقعية قبل أن يشتد الغضب وقبل أن يغلي حب الانتقام في النفس وقبل أن يسيطر العجب والكبر على الإنسان ويجعله كالريشة في مهب الهواء، فقد عالج الإسلام هذه الحالات النفسية كلها علاجا واقعيا مثاليا، بحيث يستطيع المسلم بعد المواظبة على ذلك العلاج فترة زمنية أن يتخلص من كافة أمراضه النفسية التي أوجدت لديه اختلالا في التوازن النفسي وجموحا نحو زاوية الانحراف والغواية، هذا العلاج يكمن في وسيلتين إحداهما مادية والأخرى معنوية.
أما المادية: فهي الوضوء والغسل وتغير الحالة التي هو فيها، فإن غضب وهو واقف فليمش وان غضب وهو جالس فلينهض ثم ليأخذ ماء للوضوء والغسل، ومن توضأ فإنه يرى أن لله عليه ركعتين فيصليهما ويسأل الله تبارك وتعالى له الهداية ولمن أغضبه فسيتحقق لديه النتائج المرضية للعلاج وهو ذهاب الغضب والصبر على ما لقيه من أخيه المسلم .
أما المعنوية: فهي ذكر الله تبارك وتعالى وذكر الله سبحانه أكبر من الصلاة فيما ينتج عنه من نتائج تلازم الفرد بسبب ملازمته للذكر {فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} (المؤمنون /116).
إذا توصل المسلم إلى هذه المرحلة وإلى هذا العلاج النفسي والوجداني فسوف يلمس في نفسه الإحساس بالارتياح والاستقرار والأمن والطمأنينة وسوف يتجنب كل شر قد خطر له أو عرض لذهنه لحظة من الدهر، وهكذا في كل الحالات النفسية التي فيها ضعف أو فيها مرض فإن الإسلام يضع الأسباب الوقائية التي تحول دون أن يصل المسلم الى الحالة المرضية أو إلى الضغط النفسي الشديد الذي يعمي البصر أو يصم السمع أو يغلق القلب .

(1/103)


فإن لم تجد معه الأسباب الوقائية ووقع في المرض النفسي فإن الإسلام يرشده إلى العلاج النفسي الذي يشفيه مما ابتلي به من أمراض قال الله تبارك وتعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} (الإسراء /82) وقال تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} (يونس /57) وهكذا أرشدنا القرآن والسنة المطهرة إلى أن من وجد في صدره شيئا من الضيق أو القلق أو الاضطراب أو نزوعا للاعتداء على الآخرين فليفتح كتاب الله ـ تبارك وتعالى ـ بعد الوضوء وبعد الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان وليقرأ ما تيسر له من الآيات الكريمة، أو ليستمع لغيره وهو يتلو كتاب الله تعالى فإن كافة تلك الأمراض الباطنية ستتقلص وتخف شدتها بالتدريج ثم تزول نهائيا.
فإن كان المرض مسيطرا ومتغلبا لديه وقد أسفر اتجاهه نحو الانحراف ونحو ارتكاب الجريمة التي اتجه إليها فليقرأ عقوبة هذه الجريمة وليتصور نفسه أنه قد وقعت عليه هذه العقوبة وأقيم عليه الحد، فماذا يا ترى؟ هل يستمر لديه خاطر الشر أم أنه يخمد نهائيا، ويزول تماما؟ فمن قوي لديه الانحراف في طلب الرزق وفكر في السرقة فليتصور نفسه ويده مقطوعة، فبم يأكل وبم يحمل الأشياء وكيف يعمل؟ وما هو موقفه من أسرته، من أولاده وزوجته، وقد جعلوه قدوة لهم، وهم يصبرون على الجوع ولا يصبرون على المحرم ولا يريدون أن يروا رب أسرتهم مقطوع اليد حدا . إنها آثار سيئة ومشينة ومكروهة من جميع أفراد المجتمع المحيط بهذا الإنسان، ثم ماذا هل يكتب على نفسه أن يكون في عداد المجرمين العابثين بأمن الأفراد والمجتمع؟ (1).
__________
(1) بتصرف واختصار يسير عن: القضاء في الإسلام ودوره في القضاء على الجريمة، جـ 1، ص 307 - 310 .

=========

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتاب:الزكاة و كتاب الرغبة والترغيب {موسوعة نضرة النعيم}

     1.كتاب : الزكاة الزكاة الزكاة لغةً: أَصْلُ الْمَادَّةِ يَدُلُّ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنَّمَاءِ، ...